فهرس الكتاب

الصفحة 606 من 9994

على الخطيب أن يجيد التعامل مع المراجع المتعلقة بموضوعه، يأخذ منها الأدلة التي تقوي حجته، ويقتبس منها الشواهد والملح التي تثري خطبته.

أمام الخطيب سيل جارف من المعلومات، فما الذي يختاره منها ليقدمه إلى مستمعيه ؟

من العيوب التي يقع فيها بعض الخطباء أنهم ينقلون المعلومات لمجرد النقل بعيدًا عن النظر والانتقاء، بل ربما نقل بعضهم الخطبة بكاملها قبيل وقت إلقائها، فأنى لهذا أن يكون ملمًا بموضوعه، فضلًا عن أن يكون مؤثرًا في خطابه.

إن الجمع والانتقاء الذكي يقوم على أمرين:

أ ـ روح الوفرة ( العمق والشمولية ) :

العمق والشمولية في جمع المعلومات له عدة فوائد منها:

1ـ التأكد من صحة المعلومات الواردة في الخطبة.

2ـ انتقاء أفضل المعلومات وأنسبها لتحقيق الهدف من الخطبة.

3ـ اكتساب الخطيب قوة مؤثرة في إلقاء الخطبة بسبب إلمامه الوافر وقناعته بما يعرضه على الناس.

ب ـ حسن التميز:

وذلك باختيار أنسب المعلومات، وصياغتها بأرقى العبارات، ثم دمجها في وحدة فنية متجانسة.

كما قال أحد الباحثين:"أنتجت مليون عينة نباتية لأجد واحدة أو اثنتين منها أفضل من سائر العينات، وبعد ذلك أتلفت جميع العينات الرديئة".

صياغة الخطبة:

تبنى الخطبة عادة على ثلاثة أجزاء:

أولًا: المقدمة.

ثانيا: الموضوع.

ثالثًا: الخاتمة.

عناصر متداخلة متناسقة، يبلغ الترابط بينها جودته حسب مقدرة الخطيب وغزارة علمه وخبرته. وقد لا يلزم مراعاة هذه الأجزاء في كل خطبة، لكن الخطب الطويلة كخطبة الجمعة غالبًا ما تبنى على هذه العناصر.

أولًا: المقدمة:

ينبغي أن يهتم الخطيب بمقدمته وافتتاحيته، فيأتي بعبارات الاستهلال التي توحي للسامع بمقصود الخطبة، مما يشد الانتباه ويهيئ النفوس، وقد يكون ذلك بآيات قرآنية زاجرة أو مرغبة أو بعض الحكم البليغة.

وإن الناظر في افتتاحيات السور في القرآن الكريم يدرك ما تثيره في النفس من الإجلال والشوق والرغبة في المتابعة.

ومعروف عند المتقدمين من السلف ـ رحمهم الله ـ أن ما لا يبتدأ بالحمد فهو الأجذم الأبتر، وما لم يزين بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو المشوه.

كيف تفتتح الخطبة؟

من المهم أن تفتتح بمقدمة مثيرة، وبشيء يأسر الانتباه في الحال.

وإذا أردت أن تستخدم مقدمة يجب أن تكون قصيرة كلائحة الإعلان. لأن ذلك يتطابق مع مزاج المستمع للحديث الذي لسان حاله يقول: أعطنا ما عندك بسرعة واجلس.

ومن الخطأ الذي يقترفه الخطيب المبتدئ الاعتذار في مقدمته بكونه ليس بخطيب، أو أنه ليس لديه ما يقوله، فهذا الأمر يضعف تفاعل الجمهور معه.

لا تفعل ذلك أبدًا، بل ابدأ بشيء مثير منذ الجملة الأولى، وليس الثانية أو الثالثة.

مقترحات للافتتاحية:

1.إثارة الانتباه:

أَثِرْ انتباه جمهورك منذ أول جملة، فإنك بهذا تحوز على اهتمامهم ومتابعتهم.

إن الجملة الابتدائية تثير الفضول، وتمضي بنا قدمًا، فنرغب في متابعة الاستماع إلى الخطيب، فإنه بذلك يشوقنا.

والناس مجبولون على حب الاستطلاع، ومعرفة ما أخفي عنهم. ولذا فإن فن الإضمار يعتبر من أهم وسائل إثارة فضولهم وانتباههم.

مثال تطبيقي:

تأمل في أسلوب الإضمار الذي اعتمد عليه النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الخطبة، ومدى تأثيره في المخاطبين.

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: (( عَبْدٌ خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ زَهْرَةَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ ) ). فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ وَبَكَى فَقَالَ: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا. قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم هُوَ الْمُخَيَّرُ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا بِهِ.

2.قصة مثيرة.

إنها بداية مثيرة جدًا، فالنفوس تحب الاستماع إلى القصص والروايات ومتابعة أحداثها أكثر من الكلام النظري المجرد.

3.سؤال يحرك الأذهان .

من الافتتاحيات المميزة أن يبدأ الخطيب بطرح سؤال لاستدراج الجمهور إلى التفكير، والتعاون معه.

إن استخدام هذا السؤال الافتتاحي هو واحد من أبسط وأضمن الطرق لفتح أذهان جمهورك والدخول إليها.

مثال تطبيقي:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (( أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟ ) )قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: (( ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ ) )قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: (( إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ اغْتَبْتَه، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت