وأقبلت قريش في أربعة آلاف فنزلت بمجتمع الأسيال، وغطفان ومن معهم في ستة آلاف حتى نزلوا إلى جانب جبل أحد، وخرج رسول الله في ثلاثة آلاف من الصحابة فتحصنوا بالخندق بينهم وبين المشركين، وكان شعارهم"حم لا ينصرون"ولما هم المشركون بمهاجمة المسلمين فوجئوا بالخندق أمامهم فقال أبو سفيان: هذه مكيدة ما عرفتها العرب، وأخذ المشركون يدورون حول الخندق غضابًا يبحثون فيه عن منفذ يقتحموا فيه نحو المسلمين، وكره فوارس قريش أن يقفوا موقف المتفرج، فخرجت منهم جماعة فيها عمرو بن عبد ود وعكرمة بن أبي جهل وضرار بن الخطاب وغيرهم، فتيمموا مكانًا ضيقًا من الخندق فاقتحموه، وجالت بهم خيلهم في السبخة بين الخندق وسلع، وخرج علي بن أبي طالب في نفر من المسلمين حتى أخذوا عليهم الثغرة التي اقتحموها، ودعا عمرو إلى المبارزة، فانتدب له علي بن أبي طالب فاقتحم عمرو عن فرس فعقره وضرب وجهه، ثم أقبل على علي فتجاولا وتصاولا، حتى قتله علي رضي الله عنه، وانهزم الباقون والرعب يملأ قلوبهم، والوهن يفت عزيمتهم.
وحاول المشركون اقتحام الخندق أو بناء طريق فيه، فلم يمهلهم المسلمون بل كافحوا مكافحة شديدة ورشقوهم بالنبل، ففي الصحيحين عن جابر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما جاء يوم الخندق فجعل يسب كفار قريش، فقال يا رسول الله، ما كدت أن أصلي حتى كادت الشمس أن تغرب، فقال النبي: (( والله ما صليتها ) )فنزلنا مع النبي بطحان، فتوضأ للصلاة، وتوضأنا لها، فصلى العصر بعدما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب" [6] وفي هذا يتبين شدة الموقف وحراجته، وطول الحصار الذي دام قرابة الشهر فقال النبي: (( ملأ الله عليهم بيوتهم وقبورهم نارًا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس ) ) [7] ."
الله أكبر... يتحسر على فوات وقتها، وهم معذورون يجالدون العدو، ويذودون عن حياض الدين، فعجبًا لمن يقرع النداء مسامعه في كل حين، فيبقى حبيس الكسل والغفلة، معرضًا عن نداء ربه، منشغلاً بملذات الدنيا وشهواتها.
وبقي الخندق حائلاً بين الجيشين لم يجر بينهما قتال مباشر، بل اقتصروا على المراماة بالنبل وقد قتل من جراء ذلك ستة من المسلمين وعشرة من المشركين وفي هذه المراماة رُمي سعد بن معاذ رضي الله عنه بسهم فقطع منه الأكحل فدعا سعد: اللهم إنك تعلم أنه ليس أحدٌ أحب إليّ أن أجاهدهم فيك من قوم كذبوا رسولك وأخرجوه، اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بينا وبينهم، فإن كان بقي من حرب قريش شيء فأبقني لهم، حتى أجاهدهم فيك وإن كنت وضعت الحرب فافجرها واجعل موتتي فيها ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة).
في هذه الأثناء انطلق كبير مجرمي يهود بني النضير حيي بن أخطب إلى ديار بني قريظة، فأتى كعب بن أسد القرظي سيدهم، وكان قد عاقد رسول الله على أن ينصره إذا أصابته حرب، فضرب حيي عليه الباب، فأغلقه كعب دونه، فما زال يكلمه حتى فتحه فقال حيي: إني قد جئتك يا كعب بعز الدهر وببحر طام، جئتك بقريش على قادتها وسادتها، حتى أنزلتهم بمجمع الأسيال من ردمه، وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم إلى جانب أحد، قد عاهدوني وعاقدوني على أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمدًا ومن معه.
فقال كعب: جئتني والله بذل الدهر وبجهام قد هراق ماؤه، فهو يرعد ويبرق، ليس فيه شيء، ويحك يا حيي فدعني وما أنا عليه، فإني لم أر من محمد إلا صدقًا ووفاءً فلم يزل به حتى أعطاه عهدًا من الله وميثاقًا: لئن رجعت قريش وغطفان، ولم يصيبوا محمدًا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك، فنقض كعب عهده وبرئ مما كان بينه وبين المسلمين ودخل مع المشركين.
وهكذا فعل جد اليهود الأول حربًا لله ولرسوله، والذي لابد أن يعلم ويربى عليه أبناء الأمة الواحدة درسًا من واقع الحياة وأحداث السيرة أن الكلاب لا تلد إلا الكلاب، وأبناء الأفاعي كأمهاتهم لا تجيد إلا لغة المراوغة والخداع ونفث السم في صف الأمة الوسط.
ألا فليعلم جهال المتعلمين من بني قومنا أن الكفر ملة واحدة لا فرق فيه بين يهودي ونصراني أو وثني.