إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ ولكن طوبى للغرباء، طوبى للمتمسكين به، إن فسد الناس فهم على صلاحهم وتقواهم، وهم ساعون في إصلاح المجتمع، ودعوته إلى الخير فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِى الأرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ [هود:116] ، ولكن الله جل وعلا كفل لهذه الأمة المحمدية أنه لا يزال في هذا الدين باقية، ولا تزال أمة من هذه الأمة ينادون بالحق ويدعون إليه يقول: (( ولا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله ) ) [5] ، فلا يزال طائفة من هذه الأمة متمسكة بهذا الدين، مقيمة حجة الله على العالمين، وذلك فضله على هذه الأمة.
إنما الواجب على المسلم أن يتمسك بدينه، وأن يستعصم بهذا الدين ويتمسك به، ولا يصغي إلى آراء المضللين وآراء المفسدين، وآراء من يصدّون الناس عن دين الله، قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِىّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ [الأنعام:112-113] .
أما المؤمنون بالله حقاً، والمؤمنون بلقاء الله حقاً، فهم لا تروج عليهم تلك الشبه والأباطيل، ولا تخدعهم تلك الأفكار، بل موقفهم منها موقف من يعرف زيفها وباطلها، ويعرف مقصود أهلها، فهو متمسك بدينه، داع إلى الله محافظ على هذا الدين لا يهمّه كثرة المنحرفين وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف:103] ، وقال: وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ [الأنعام:116] .
فالمسلم متمسك بهذا الدين ثابت عليه، مهما يسمع من أقوال وأفكار، ومهما يبلغه فهو متمسك بما عليه من الحق، وبما يعرفه من هذا الشرع، ثابت عليه، يسأل الله أن يثبته وأن لا يزيغ قلبه بعد إذ هداه، هكذا المسلم حقاً.
إن هذه الدعايات المضللة ضد الإسلام وأهله من أعداء الإسلام، كلها من حقدهم وبغضهم لهذا الدين، فهم أعداء له بكل ما يملكون من وسيلة، أعداء لهذا الدين، يشكّكون المسلم في عقيدته، يشككونه في قيمه وفضائله، يدعونه إلى التجرد من هذا كله، وصدق الله: وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ [البقرة:120] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.
[1] أخرجه مسلم في كتاب الإيمان [145] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
[2] هذا اللفظ أخرجه الآجري في صفة الغرباء من المؤمنين (ص19-20) ، من حديث ابن مسعود رضي الله عنه ، وفي سنده أبو إسحاق السبيعي وقد عنعن ، ولكن له شواهد يتقوى بها ، انظر: تخريج بدر البدر لصفة الغرباء.
[3] أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق [3231] ، ومسلم في كتاب الجهاد والسير [1795] من حديث عائشة رضي الله عنها بنحوه.
[4] أخرجه البخاري في كتاب الفتن [7068] .
[5] أخرجه البخاري في كتاب المناقب [3641] ، ومسلم في كتاب الإمارة [1037] من حديث معاوية رضي الله عنه. وورد أيضاً من حديث المغيرة بن شعبة ، وثوبان ، وجابر بن سمرة ، وجابر بن عبد الله ، وعقبة ، وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم ، وكلها في الصحيح.
الخطبة الثانية
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.
عباد الله، إن تمسك المسلم بدينه حينما يرى بعد الناس عنه، وانحرافهم عنه له فضل كبير فقد أخبر: أن الصابر على دينه في آخر الزمان [كالقابض] على الجمر، وأن له أجر خمسين، قالوا: يا رسول الله، أمِنا أو منهم؟ قال: (( بل منكم، إنكم تجدون على الحق أعواناً، وهم لا يجدون على الحق أعوانا ) ) [1] .