فهرس الكتاب

الصفحة 5842 من 9994

فعاش المسلمون بهذا الدين في قوة وعزة يحكمون شرع الله، ويتحاكمون إليه، ويقيمون حدوده، وينفذون أحكامه، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، والإسلام في عزة وقوة ومنعة، ولكن ما زال النقص يدب إلى المسلمين قرناً بعد قرن، إلى أن وقع في المسلمين ما وقع من التفريط في دين الله، وتضييع شرع الله، وعدم القيام بهذا الواجب، ولهذا قال: (( لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه، قال: حتى تلقوا ربكم ) )، قال أنس: سمعته من نبيكم [4] .

فما زال الضعف يسري في الأمة، قرناً بعد قرن، إلى أن وقع في الأمة ما وقع من الشرك بالله والكفر به والإعراض عن دينه، وابتغاء نظم غير نظام الإسلام، وقوانين غير أحكام شريعة الله، ولهذا قال: (( وسيعود غريباً كما بدأ ) )، أي يعود الإسلام غريباً بين أهله، كما بدأ غريباً في مبدئه؛ أولاً غربته لجهل الناس به، وغربته الثانية لإعراض الناس عنه، فلما أعرضوا عنه وتجاهلوه وانصرفوا عن أحكامه، صار الإسلام بينهم غريباً.

حقاً إنه غريب بين كثير ممن ينتسبون إلى الإسلام، الإسلام غريب في كثير من العالم المنتسب إلى الإسلام، الإسلام غريب بينهم، الإسلام لا قيمة له بينهم، الإسلام قد عُزِل عن نظم الحياة، فلا يلتفت إلى أحكامه، ولا يقام وزنٌ لنظمه وآدابه، وإنما اكتفوا بالانتساب إلى الإسلام اسما مع تعطيل أحكامه، وعدم المبالاة به في المعاني، ولا شك أن تلك المصيبة، فغربة الإسلام بين أهله أن لا يحكّم، أن لا تنفذ أحكامه، أن لا تقام حدوده، أن لا يتأدّب بآدابه، أن لا يتخلّق بأخلاقه، أن يبعد عن نظم الحياة وعن الأخلاق والسلوك.

إن المسلم وهو يتأمل حال كثير من المسلمين، للأسف الشديد يرى الإسلام غريباً بين أهله، إن جئت في باب توحيد الله وعبادته وإخلاص الدين له، وجدت كثيراً من عالمنا الإسلامي مخالفين لذلك، لو قام قائم يقول لهم: اعبدوا الله لا تشركوا به شيئاً، لآذوه، وقالوا: هذا المبتدع، وهذا الذي أتى بقول خارج عن الخير، وإلى آخر ذلك، ولذا يقول الله: وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [الزمر:45] ، فإذا ذكرت توحيد الله، وإخلاص الدين لله، وأن أموات القبور لا ينفعون داعيهم، لا يسمعون دعاءه، ولو سمعوا ما استجابوا له و لا يعلمون حاله، لأنكروا عليك ذلك، وقابلوك بالعداوة والبغضاء، وقالوا: تسبّ الصالحين، وتعيب الصالحين، وتستنقص الأولياء، إلى غير ذلك مما زيّن لهم الشيطان، وحسّن لهم من الباطل، حتى رأوا الباطل حقاً والحق باطلاً، ولا شك أن هذه من غربة الإسلام.

إن الإسلام الذي جاء بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجعله خلقاً لهذه الأمة كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110] ، وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [آل عمران:104] ، إذا ذكرت ذلك عابوك؛ لأنهم يرون المنكر معروفاً، والمعروف منكراً، قد انقلبت الحقائق، انعكست الفطر، فصار المنكر معروفاً، والمعروف منكراً وتلك المصيبة العظيمة.

غربة الإسلام بين أهله، حتى في الصلوات الخمس، فكثير من عالمنا الإسلامي، الصلوات الخمس لا تقام على الحقيقة، مساجد معمورة، ولكنها خراب من قلة المصلين، لا بصيرة ولا علم عندهم بهذه الصلاة، إنما يصليها أفراد من الناس والمعظم معرضون عنها، ولا شك أنها من غربة الإسلام والعياذ بالله.

غربة الإسلام أيضاً - أيها المسلمون - غربة الإسلام بين أولئك، إذا نظرت إلى أحكام الشريعة، وقد عُطّلت أحكام الشريعة، وتحوكم إلى القوانين الوضعية، وعوديت أحكام الشريعة عن التحاكم إليها، وإنما يتحاكم الناس ويحكّمون نُظماً غربية، جاؤوا بها من أعدائهم، حكّموها وتحاكموا إليها، فلا حدود تقام، ولا قصاص يقام، ولكنها الأحكام الوضعية المشتملة على الظلم والعدوان، وأكل أموال الناس بالباطل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت