فهرس الكتاب

الصفحة 5789 من 9994

وفي البداية يقول [ابن كثير] : لقد كان [البخاري] يستيقظ في الليلة الواحدة من نومه، فيوقد السراج، ثم يكتب الفائدة تمر بخاطره، ثم يطفئ السراج لينام، ثم يقوم أخرى وأخرى، كان يتعدد ذلك منه في الليلة الواحدة أكثر من عشرين مرة. بل إن [الإمام الشافعي] تذكر عنه ابنته تقول: إنه في ليلة واحدة أطفأ وأضاء السراج ستين مرة؛ فما الذي نَامَهُ هؤلاء من ليلهم، رحمهم الله؟ قد كانت الشدائد في سبيل تحصيل العلم عندهم أشهى وألذَّ وأحلى من جنى النحل في الفم؛ لأنهم يعرفون قدر ما يأخذون.

يقول [عمرو بن حفص] الأشقر، يقول: إنهم فقدوا [البخاري] -عليه رحمة الله- صاحب الصحيح -نسأل الله أن يرحمه وأن يجعله في موازين حسناته يوم يلقى الله- فقدوه أيامًا من كتابة الحديث، وقد كان من أحرص الناس على كتابة الحديث. قال: فطلبناه نتلمسه، فوجدناه في بيته وهو عريان لا يملك حتى الثوب الذي يلبسه، قال: وقد نفد كل ما لديه، ولم يبقَ معه شيء، ولم يستطع الخروج؛ لأنه عريان. قال: فاجتمعنا، وجمعنا له الدراهم حتى اشترينا له ثوبًا وكسوناه. قال: ثم اندفع معنا في كتابة الحديث. فماذا يقول من يملك عشرات الثياب؟ ماذا يقول من يملك عشرات الأقلام والأوراق ثم ينام عن حلقة علم يذهب لها لا علي قدميْه بل بسيارته في مكان مُكيَّف مُعدٍّ مُهيَّأ لذلك؟ لا نامت أعين الكسالى. لا نامت أعين البطالين. كلنا نلهج بالعلم، ولا أحد منا يباري العلماء. وهاهو [أبو يوسف] تلميذ [أبي حنيفة] -عليهما رحمة الله-، يموت ابنه ويجهزه ويصلي عليه مع المصلين، ثم يوكِّل أناسًا يدفنونه، ويذهب لحلقة إمامه، وهو يقول: ذهب الابن، وأحتسبه عند الله، وأخشى أن تفوتني مسألة لا تذهب حسرتها من قلبي حتى أموت.

يا خاطب العلياء إن صداقها *** صعب المنال على قصير الباع

أما [المنذري] ، فيقول أحد تلاميذه: جاورته اثنتيْ عشرة سنة -بيتي فوق بيته- ما قمت في ساعة من ليل إلا وسراجه مُضاء يكتب أو يصلي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت