فهرس الكتاب

الصفحة 5736 من 9994

دخل عليه أحد العباد من أهل المدينة ، واسم هذا العابد زياد مولى ابن عياش ، فقال لعمر بن عبد العزيز:"ما دهاك؟ ماذا أصابك؟ قال: وماذا تقول؟ قال: والله لقد رأيتك وأنت من أجمل الفتيان في قريش، تلبس اللباس اللين، وأصبحت في هذه الحالة، والله لو دخلت عليك في غير هذا المكان لما عرفتك، فبكى عمر وقال: والله لو رأيتني بعد ثلاثة أيام من دفني لأنكرتني شديداً، حين تسقط عيناي على وجنتي، وتخلع أذناي من رأسي، ويتغير خدي، وينهش بطني، إذاً لرأيت منظراً فظيعاً ؛ فبكى ذاك العابد".

عمر بن عبد العزيز يذاكر العلماء

ولما تولى الخلافة أرسل إلى علماء الأقاليم فقال: [[أوصوني فإني قد توليت أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم ] ] فكتب له محمد بن كعب:"يا أمير المؤمنين! والله الذي لا إله إلا هو ما بقي من الخلفاء على قيد الحياة إلا أنت، فاتق الله أن تصرع كما صرعوا".

وكتب له سالم بن عبد الله من أخواله:"يا أمير المؤمنين! صم هذا اليوم، حتى تلقى الله فتفطر عنده يوم يستبشر الصائمون بفطرهم"، وكتب له مطرف بن عبد الله الشخير:"يا أمير المؤمنين! لو كان لك خصم لديد لأعجزك، فكيف بخصمين؟! فكيف بثلاثة؟! وكيف بك وكل واحد من رعيتك خصم لك يوم القيامة عند الله؟!!"

فأخذ هذه الرسائل وطواها ينظر فيها كل يوم، وجمع سبعة من الصلحاء ومن الزهاد والعباد وقال: أنتم جُلَّاسي وسُمَّاري كل ليلة، أشترط عليكم ثلاثة شروط، الأول: ألا تغتابوا في مجلسي أحداً، والأمر الثاني: ألا تتحدثوا في الدنيا أبداً، والأمر الثالث: ألا تمزحوا وأنا جالس، فكانوا يجتمعون بعد صلاة العشاء، فيتحدثون في الموت -وما أدراك ما الموت؟!- وما قبل الموت وما بعده، ثم ينفضون من مجلسهم كأنهم قاموا عن جنازة.

وفي أثناء الخلافة كتب له سالم بن عبد الله بن عمر كتاباً فظيعاً شديداً مدهشاً، يقول:"يا أمير المؤمنين! والله لقد تولى الملك قبلك أناس ثم صرعوا، فها هنا مصارعهم في القبور فانظر إليها لترى، كانوا ينظرون بعيون إلى اللذات فأكلت، وكانوا يأكلوا في بطون فنهشت، وكانوا يمسون بخدود أكلها الدود، فاحذر أن تكون مع المحبوسين يوم القيامة يوم يطلق العادلون".

عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وأرضاه تولى الخلافة فنام بعد صلاة الظهر في ذاك اليوم، فقال له ابنه الصالح العابد المجاهد عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز -وعمره آنذاك تسعة عشر سنة- قال له: يا أبتاه! أتنام وقد توليت أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم، يسألك الفقير ويشكو إليك المسكين، ويتحاكم إليك المظلوم، فمن لك بهؤلاء إذا أتوا خصومك يوم القيامة.

عمر بن عبد العزيز وخوفه من الله

ولما تولى رضي الله عنه وأرضاه خلع كل لباس كان يلبسه، وأبقى ثوباً واحداً، فكان إذا أراد أن يغتسل يوم الجمعة نشف له ثوبه هذا بعد أن يغسل، واغتسل ثم لبسه وصعد المنبر، لم يبق قليلاً ولا كثيراً، يقول رضي الله عنه وأرضاه للناس: أيها الناس! وهو يخطب: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ [التكوير:1] قال: ما للشمس تكور؟ ثم قال: وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ [التكوير:2] قال: ما للنجوم تنكدر؟ ثم بكى حتى صرع على المنبر.

وحج بالناس فوقف في عرفة فأخذ الناس يتسابقون مع الغروب إلى مزدلفة فقال: [[لا والله. ليس السابق اليوم من سبق جواده وبعيره، ولكن السابق من غفر له هذا اليوم ] ] ونزل هو والأمراء في منتزه وبستان من البساتين، فلما جلسوا استأنسوا واستراحوا إلا هو جلس يبكي، قالوا: مالك؟ قال: هذه دنيانا وبساتيننا، فكيف بنا يوم العرض على الله إذا دخل الناس بساتينهم ولا بساتين لنا؟! فبكى الناس.

عليك سلام الله وقفاً فإنني رأيت الكريم الحر ليس له عمر

إذا شجرات العرف جذت أصولها ففي أي غصن يوجد الورق النضر

لما تولى الخلافة قال لأهله: إني قد آنست عقبة كؤداً لا يجوزها إلا المخف.

تقول امرأته: والله ما كان يأوي إلى فراشه إلا كما يأوي العصفور إلى عشه، وإنه ليرتجف صدره كل ليلة، فأقول: مالك؟ قال: أريد أن أنام فأتذكر قوله تعالى: فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ [الشورى:7] فلا يأتيني النوم.

وكان الخطباء في عهده يسبون أمير المؤمنين علياً رضي الله عنه وأرضاه، فنسخ هذا وأبدل الخطباء بقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90] .

ميزان التقوى هو الحكم عند عمر بن عبد العزيز

كانت موازينه عنده التقوى، يقول:"والله ما رأيت متقياً لله إلا وددت أنني في جلده".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت