وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا بصيام أيام البيض... وقد يدخل السبت في هذه كما يدخل فيها غيره من سائر الأيام، ففيها أيضا إباحة صوم يوم السبت تطوعا.
ولقد أنكر الزهري حديث الصماء في كراهة صوم يوم السبت, ولم يعده من حديث أهل العلم بعد معرفته به... سئل الزهري عن صوم يوم السبت فقال: لا بأس به، فقيل له: فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في كراهته, فقال: ذاك حديث حمصي, فلم يعده الزهري حديثا يقال به, وضعفه.
وقد يجوز عندنا ـ والله أعلم إن كان ثابتا ـ أن يكون إنما نهي عن صومه لئلا يعظم بذلك فيمسك عن الطعام والشراب والجماع فيه كما يفعل اليهود، فأما من صامه لا لإرادة تعظيمه ولا لما تريد اليهود بتركها السعي فيه فإن ذلك غير مكروه.
فإن قال قائل: فقد رخص في صيام أيام بعينها مقصودة بالصوم, وهي أيام البيض, فهذا دليل على أن لا بأس بالقصد بالصوم إلى يوم بعينه، قيل له: إنه قد قيل: إن أيام البيض إنما أمر بصومها لأن الكسوف يكون فيها ولا يكون في غيرها, وقد أمرنا بالتقرب إلى الله عز وجل بالصلاة والعتاق ليلتَه وغير ذلك من أعمال البر عند الكسوف، فأمر بصيام هذه الأيام ليكون ذلك برا مفعولا بعقب الكسوف, فذلك صيام غير مقصود به إلى يوم بعينه في نفسه، ولكنه صيام مقصود به في وقت شكرا لله عز وجل لعارض كان فيه, فلا بأس بذلك.
كذلك أيضا يوم الجمعة إذا صامه رجل شكرا لعارض من كسوف شمس أو قمر أو شكرا لله عز وجل, فلا بأس بذلك, وإن لم يصم قبله ولا بعده يوما" ( [10] ) ."
وقال في المنهاج:" (ويكره إفراد) يوم (الجمعة) بالصوم لما صح من قوله صلى الله عليه وسلم: (( لا يصم أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم يوما قبله أو يوما بعده ) )، ولكونه يوم عيد... (وإفراد السبت) أو الأحد بالصوم كذلك بجامع أن اليهود تعظم الأول، والنصارى تعظم الثاني، فقصد الشارع بذلك مخالفتهم, ومحل ما تقرر إذا لم يوافق إفراد كل يوم من الأيام الثلاثة عادة له، وإلا كأن كان يصوم يوما ويفطر يوما، أو يصوم عاشوراء أو عرفة، فوافق يوم صومه فلا كراهة كما في صوم يوم الشك، ذكره في المجموع, وهو ظاهر وإن أفتى ابن عبد السلام بخلافه, ويؤخذ من التشبيه أنه لا يكره إفرادهما بنذر وكفارة وقضاء، وخرج بـ (إفراد) ما لو صام أحدهما مع يوم قبله أو يوم بعده، فلا كراهة لانتفاء العلة؛ إذ لم يذهب أحد منهم لتعظيم المجموع, وقضية التعليل بالتقوي بالفطر في كراهة إفراده أنه لا فرق بين إفراده وجمعه, لكنه إذا جمعهما حصل له بفضيلة صوم غيره ما يجبر ما حصل فيه من النقص قاله في المجموع".
3-إذا نوى صيام عاشوراء مع قضاء أو نذر:
قال العراقي:" (ومنها) أن ينوي صوم عاشوراء مع قضاء أو نذر أو كفارة، فالقياس عدم الصحة، وأفتى شرف الدين البارزي بحصوله عنهما, وهو مشكل، أما إذا نوى في يوم عاشوراء الصيام عن نذر أو كفارة أو قضاء وأطلق، فالقياس حصول الفرض فقط، وأفتى البارزي بحصولهما, وهو بعيد وقال صاحب المهمات: القياس أن لا يصح لواحد منهما, وهو مردود أيضا، بل الصواب حصول الفرض فقط".
وجاء في أجوبة اللجنة الدائمة ما نصه:"إذا صام اليوم العاشر والحادي عشر من شهر محرم بنية قضاء ما عليه من الأيام التي أفطرها من شهر رمضان جاز ذلك، وكان قضاءً عن يومين مما عليه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى ) )" ( [11] ) .
4-هل يقضي من صام التاسع والعاشر ثم تبين له أنه ليس هو يوم عاشوراء؟
قال الشيخ ابن باز رحمه الله:"ليس عليه القضاء، وله الأجر إن شاء الله كاملا على حسب نيته، لأنه ظن أن هذا هو التاسع والعاشر حسب التقويمات، فله أجره إن شاء الله، وليس عليه قضاء، وله أجر صوم اليومين".
وفي حالة ما إذا تبين له في اليوم الثاني الذي ظنه العاشرَ أن غدا عاشوراء، فهل يواصل صيام ثلاثة أيام، قال الشيخ رحمه الله:"الأفضل له أن يواصل حتى يصوم العاشر يقينا، هذا هو الأفضل، وإن لم يصم فلا حرج، ويفوته صوم العاشر" ( [12] ) .
( [1] ) أخرجه مسلم في الصيام (1134) .
( [2] ) الاختيارات (ص 110) .
( [3] ) فتح الباري (4/245-246) .
( [4] ) تهذيب السنن (3/323-324) .
( [5] ) زاد المعاد (2/76) .
( [6] ) فتاوى اللجنة الدائمة (10/401) .
( [7] ) فتاوى إسلامية (2/170) جمع المسند.
( [8] ) أخرجه أحمد (4/189) ، وأبو داود في الصوم (2421) ، والترمذي في الصوم (744) ، والنسائي في الكبرى (2759) ، وابن ماجه في الصيام (1726) وغيرهم.
( [9] ) تهذيب السنن (3/297-301) ، وانظر: اقتضاء الصراط المستقيم (2/569-575) .
( [10] ) شرح معاني الآثار (2/80-81) .
( [11] ) فتاوى اللجنة الدائمة (10/402) .
( [12] ) فتاوى إسلامية (2/170) جمع المسند.
سابعا: بدع ومخالفات:
1ـ بدعة الحزن واتخاذ يوم عاشوراء مأتما:
وهي بدعة أحدثتها الرافضة ( [1] ) في هذا اليوم، ومن مظاهرها النياحة ولطم الخدود وشق الجيوب والتعزي بعزاء الجاهلية وسب الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم.