وقد اختلف العلماء رضي الله عنهم هل كان صوم يوم عاشوراء قبل فرض شهر رمضان واجباً أم كان سنة متأكدة؟
على قولين مشهورين: ومذهب أبي حنيفة أنه كان واجباً حينئذٍ؛ وهو ظاهر كلام الإمام أحمد وأبي بكر الأثرم. وقال الشافعي رحمه الله: بل كان متأكد الاستحباب فقط.
الحالة الثالثة: أنه لما فرض صيام شهر رمضان ترك النبي صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة بصيام عاشوراء وتأكيده فيه، وسبق حديث عائشة في ذلك. وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: صام النبي صلى الله عليه وسلم عاشوراء وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان ترك ذلك. وكان عبد الله لا يصومه إلا أن يوافق صومه. وفي رواية لمسلم: أن أهل الجاهلية كانوا يصومون عاشوراء وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم صامه والمسلمون قبل أن يفرض رمضان، فلما فرض رمضان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن عاشوراء يوم من أيام الله فمن شاء صامه ومن شاء تركه) . وفي رواية أيضاً: (فمن أحب منكم أن يصومه فليصمه ومن كره فليدعه) . وفي الصحيحين أيضاً عن معاوية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( هذا يوم عاشوراء ولم يكتب الله عليكم صيامه، وأنا صائم فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر) .
وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال في يوم عاشوراء: هو يوم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه قبل أن ينزل رمضان، فلما نزل شهر رمضان ترك)... فهذه الأحاديث كلها تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجدد أمر الناس بصيامه بعد فرض صيام شهر رمضان بل تركهم على ما كانوا عليه من غير نهي عن صيامه. فإن كان أمره صلى الله عليه وسلم بصيامه قبل فرض صيام شهر رمضان للوجوب فإنه ينبني على أن الوجوب إذا نسخ فهل يبقى الاستحباب أم لا؟ وفيه اختلاف مشهور بين العلماء رضي الله عنهم، وإن كان أمره للاستحباب المؤكد. فقد قيل: إنه زال التوكيد وبقي أصل الاستحباب، ولهذا قال قيس بن سعد: ونحن نفعله، وأكثر العلماء على استحباب صيامه من غير تأكيد، وممن روى عنه صيامه من الصحابة عمر وعلى وعبد الرحمن بن عوف وأبو موسى وقيس بن سعد، وابن عباس، وغيرهم. ويدل على بقاء استحبابه ومداومة النبي صلى الله عليه وسلم عليه قول ابن عباس رضي الله عنهما: لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم يوماً يتحرى فضله على الأيام إلا يوم عاشوراء وشهر رمضان، وابن عباس إنما صحب النبي صلى الله عليه وسلم بآخره، وإنما عقل منه صلى الله عليه وسلم من أمره آخر. وفي صحيح مسلم عن أبي قتادة أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن صيامه؟ فغضب صلى الله عليه وسلم ثم سأل عمر رضي الله عن أنواع من صيام التطوع؛ وصيام الدهر، وصيام يوم وفطر يوم، وصيام يوم وفطر يومين، يوم عرفة.. والنبي صلى الله عليه وسلم يجيبه ثم قال في جملتها عن صيام عاشورا: (أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله) ، فدل ذلك على أن الرجل وعمر رضي الله عنهما لم يريدا السؤال عن صيام الفرض وإنما سألا عن التطوع عن صيام.
أما"سَبَبُ غَضَبِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَرِهَ مَسْأَلَتَهُ ; لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يُجِيبَهُ وَيَخْشَى مِنْ جَوَابه مَفْسَدَةً , وَهِيَ أَنَّهُ رُبَّمَا اِعْتَقَدَ السَّائِل وُجُوبه أَوْ اِسْتَقَلَّهُ أَوْ اِقْتَصَرَ عَلَيْهِ , وَكَانَ يَقْتَضِي حَاله أَكْثَر مِنْهُ , وَإِنَّمَا اِقْتَصَرَ عَلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِشُغْلِهِ بِمَصَالِح الْمُسْلِمِينَ وَحُقُوقهمْ وَحُقُوق أَزْوَاجه وَأَضْيَافه وَالْوَافِدِينَ إِلَيْهِ , لِئَلَّا يَقْتَدِيَ بِهِ كُلُّ أَحَدٍ فَيُؤَدِّيَ إِلَى الضَّرَر فِي حَقّ بَعْضهمْ , وَكَانَ حَقّ السَّائِل أَنْ يَقُول: كَمْ أَصُوم أَوْ كَيْف أَصُوم ؟ فَيَخُصّ السُّؤَال بِنَفْسِهِ لِيُجِيبَهُ بِمَا تَقْتَضِيهِ حَالُهُ , كَمَا أَجَابَ غَيْره بِمُقْتَضَى أَحْوَالهمْ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ".قاله النووي في شرح مسلم
وأخرج الإمام أحمد والنسائي من حديث حفصة بنت عمر أم المؤمنين رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يدع صيام يوم عاشوراء والعشر، وثلاثة أيام من كل شهر).