فهرس الكتاب

الصفحة 555 من 9994

ولقد نهى - صلى الله عليه وسلم - الصائم عن الرفث، والصخب والسباب، وجواب السباب فأمره أن يقول لمن سابه: إني صائم، فقيل: يقوله بلسانه وهو أظهر، وقيل: بقلبه تذكيرًا لنفسه بالصوم، وقيل يقوله في الفرض بلسانه، وفي التطوع في نفسه، لأنه أبعد عن الرياء.

وسافر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في رمضان، فصام وأفطر، وخيَّر الصحابة بين الأمرين، وكان يأمرهم بالفطر إذا دنوا من عدوهم ليتقوّوا على قتاله.. فتنبيه الشارع وحكمته، يقتضي أن الفطر لأجل الجهاد أولى منه لمجرد السفر، فكيف وقد أشار إلى العلة، ونبَّه عليها، وصرح بحكمها، وعزم عليهم بأن يفطروا لأجلها، ويدل عليه، ما رواه عيسى بن يونس عن شعبة عن عمرو بن دينار قال: سمعت ابن عمرو يقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه يوم فتح مكة:"إنه يوم قتال فأفطروا"13. فعلل بالقتال ورتب عليه الأمر بالفطر بحرف الفاء، وكل أحد يفهم من هذا اللفظ أن الفطر لأجل القتال. وأما إذا تجرد السفر عن الجهاد فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول في الفطر:"هي رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه"14.

وسافر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في رمضان في أعظم الغزوات وأجلِّها في غزاة بدر، وفي غزاة الفتح. قال عمر بن الخطاب: غزونا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم - في رمضان غزوتين: يوم بدر والفتح، فأفطرنا فيهما. ولم يكن من هديه - صلى الله عليه وسلم - تقدير المسافة التي يفطر فيها الصائم بحد، ولا صح عنه في ذلك شيء.. وقد أفطر دحية بن خليفة الكلبي في سفر ثلاثة أميال، وقال لمن صام: قد رغبوا عن هدي محمد - صلى الله عليه وسلم -.

وكان الصحابة ينشئون السفر، فيفطرون من غير اعتبار مجاوزة البيوت، ويخبرون أن ذلك سنته وهديه - صلى الله عليه وسلم -. كما قال عبيد بن جبر: ركبت مع أبي بصرة الغفاري صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفينة من الفسطاط في رمضان، فلم يجاوز البيوت حتى دعا بالسُفرة.. قال: اقترب. قلت: ألستَ ترى البيوت؟ قال أبو بصرة: أترغب عن سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟15.

وكان من هديه - صلى الله عليه وسلم - أن يدركه الفجر وهو جنب من أهله، فيغتسل بعد الفجر ويصوم.. وكان يُقبِّل بعض أزواجه وهو صائم في رمضان.. وشبَّه قُبلة الصائم بالمضمضة بالماء.

وكان من هديه - صلى الله عليه وسلم - إسقاط القضاء عمن أكل أوشرب ناسيًا، وأن الله سبحانه هو الذي أطعمه وسقاه16, فليس هذا الأكل والشرب يضاف إليه، فيفطر به، فإنما يفطر بما فعله، وهذا بمنزلة أكله وشربه في نومه، إذ لا تكليف بفعل النائم ولا بفعل الناسي..

قال أي ابن القيم": والذي صح عنه - صلى الله عليه وسلم:"أن الذي يُفطر به الصائم، الأكل والشرب، والحجامة والقيء، والقرآن دال على أن الجماع مفطر كالأكل والشرب، لا يعرف فيه خلاف ولا يصح عنه في الكحل شيء..

وصح عنه أنه كان يستاك وهو صائم.. وذكر الإمام أحمد عنه، أنه كان يصب الماء على رأسه وهو صائم.. وكان يتمضمض ويستنشق وهو صائم، ومنع الصائم من المبالغة في الاستنشاق. ولا يصح أنه احتجم وهو صائم..

وقال إسحاق: قد ثبت هذا من خمسة أوجه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.. والمقصود، أنه لم يصح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه احتجم وهو صائم، ولا صح عنه أنه نهى الصائم عن السواك أول النهار ولا آخره، بل قد روي عنه خلافه.

وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه اكتحل وهو صائم، وروي عنه أنه خرج عليهم في رمضان وعيناه مملوءتان من الإثمد، ولا يصح، وروي عنه أنه قال في الإثمد:"ليتقه الصائم"17 ولا يصح18 .

فهذا شيء من هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا الشهر الكريم، نسأل الله العون على التأسي به، والاقتداء بسنته، صلى الله عليه وسلم..

والحمد لله رب العالمين,,,

1 -زاد المعاد

2-أخرجه البخاري ومسلم.

3-إشارة إلى الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فيلتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء.

4-رواه البخاري ومسلم.

5-رواه البخاري ومسلم.

6 -صحيح مسلم.

7 -رواه البخاري ومسلم.

8-رواه مسلم.

9-الحديث رواه أبو داود وهو ضعيف، انظر ضعيف أبي داود للألباني رقم 510 .

10-رواه أبو داود وهو حديث حسن، انظر صحيح أبي داود للألباني رقم 2066.

11-رواه ابن ماجه وهو حديث ضعيف، انظر ضعيف ابن ماجه للألباني رقم 387. لكن قد صح حديث: ثلاثة لا ترد دعوتهم.. وذكر منهم الصائم حتى يفطر

12-رواه البخاري ومسلم.

13 -رجاله ثقات كما قال محقق زاد المعاد.

14-رواه مسلم والنسائي.

15-رواه أبو داود وأحمد والدارمي وهو حديث صحيح، انظر صحيح أبي داود للألباني رقم 2109.

16-ثبت هذا عنه في البخاري ومسلم.

17 -رواه أبو داود، وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود رقم 514.وقال في إرواء الغليل منكر رقم 936.

18-انظر زاد المعاد 2/53.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت