فهرس الكتاب

الصفحة 5465 من 9994

فيتضح من خلال لحجيج المجتمعين في صعيد واحد على اختلاف أجناسهم وألوانهم وتعدد ألسنتهم ولغاتهم يرتدون لباساً واحداً ويعبدون إلهاً واحد ويقتسمون شربة الماء ولقمة العيش يتجاورون في السكن والمبيت والإقامة والترحال في تلك المشاعر المقدسة يعانق المسلم الغربي أخاه المسلم الأفريقي ويحتضن الآسيوي آخاه المسلم الأوروبي وقد تناسى الجميع تماماً تناسوا كافة الوثائق الرسمية والهويات الشخصية والانتماءات الوطنية وانصهرت كل العلائق في بوتقة الإسلام العظيمة ، في هذه المظاهر كلها إعلان لسقوط كل الدعوات الأرضية والعصبيات الجاهلية والشعارات القومية والنعرات القبيلية والنداءات الوطنية والتي ما أنفك يدعوا إليها سفهاء العالم وشذاذ الآفاق الذين ملؤا الدنيا ضجيجاً بدعواهم المتهالكة واطروحاتهم الفارغة 0 متناسين بسفهم وغرورهم أن قيمة الإنسان ووزنه ورفعته ومحبة إنما هو بمقدار تمسكه بالإسلام وانتماءه بالتقوى والإيمان واعتزازه بالقيم التي جاء بها القرآن { يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }

ولا فضل لعربي على أعجمي ولا ابيض على أسود إنه المعيار الأصيل والمقياس الدقيق لتفاضل الناس وتمايزهم وهو ذاك المعيار الذي رفع بلالاً وعماراً وابن مسعود ووضع أبا جهل ومسليمة وغيرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون ، وما فقد المسلمون عزتهم ولا غابت هيبتهم واستأسدوا عددهم إلا يوم تأرجح ميزان العدل في حياتهم وسادت الحزبية في أوساطهم وارتفعت أسهم الطبقية في مجتمعاتهم .

وأما الدرس الرابع

(بناء الوحده)

هو الإعلان الواضح أن الطريق الوحيد لوحدة الأمة وتماسكها إنما ينطلق من شعاب مكة أرض عرفات 0 تلك الوحدة التي تقوم على أساس العقيدة الواحدة والإسلام الوسط ، حيث الإله الحق والنبي المعصوم ، فهي وحدة لا تعترف بالحدود السياسية ولا بالقيود القانونية ولا تبني جسورها على أساس المصلحة الدنيوية أو الحزبية الجاهلية ولا ريب أن أي محاولة حدودية لا تقوم على أساس العقيدة الصحيحة فهي وحدة آيلة لتفكك والانهيار طال الزمان أم قصر .

والمتأملون في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم يدركون جيداً كيف تمكن عليه السلام من بناء الوحدة وصنع التلاحم الوثيق بين أناس كانوا إلى عهد قريب مضرب المثل في الشتات والفرقة والتشرد والاختلاف تسودهم الحروب الدموية وتسيطر عليهم العصبيات القبلية فإذا بعقيدة الإيمان تذيب كل تلك العقبات الكئود وتختصر كل تلك المسافات البعيدة لتصبح ملحمة التوحيد الكبرى وتضم جدار الإيمان الصلب في زمن أقرب للخيال وبجهد أشبة بالمعجزة ـ أيها المسلمون ـ المسلمون اليوم قادرون على إعادة المحاولة وتكرار التجربة في صدق عزائمهم وحسن نواياهم وخلت نفوسهم من الغش والخديعة والمكر والاحتيال وهم محتاجون للوحدة لاستعادة هيبتهم وبناء مجدهم ودفع مسيرتهم نحو السيادة والريادة فإن تعذر ذلك فلا أمل من الوحدة ، لدفع الصائل عن ديارهم والذل عن حرماتهم ووقف النزيف فوق أراضيهم الذي أراقه شراذم يهود يوم غابت الوحدة الجادة واختفى مفهوم الجسد الواحد

نهضة الأمة

في الحج دروساً لا تحصى ومآثر لا تنسى وما لا يدرك كله ولا يترك جله ، والمسلمون اليوم أحوج ما يكونون إلى العودة إلى أصول دينهم وفضائل شريعتهم حيث العزة وأساس النهضة ومبعث القوة هم بحاجة إلى استخراج الكنوز واستنباط الدروس وتأمل العبر الذي تفضل به المشرع العظيم وتضمنها الشرع الحكيم ، مصيبة والله أن يمر الحج بعد الحج وعام بعد عام والفرصة بعد الأخرى دون أن يتقدم المسلمون ولو خطوة واحدة إلى الأمام ومصيبة أن يصل المسلمون في ذيل القافلة ومؤخرة القائمة وهم ينسبون إلى أعظم ملة ويحتضون أكمل شريعة ، لقد آن الأوان أن يستيقظ النائمون وينتبه الغافلون ويتقدم الراجعون فيرفعون الراية بشجاعة ويحملون الدين بقوة ينطلقون به إلى الأفاق يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله .

ما أعظمها من جناية وما افضحه من خطأ يوم زهد المسلمون في دينهم واستخفوا بشرعهم فحرموا أنفسهم وحرموا البشرية بهم بركات عظمة الأديان وأشرف الرسالات فإذا بالعالم كله يتخبط في ديار الظلام ويغرق في مستنقعات الرذيلة كل ذلك يوم يختلف الإسلام عن القيادة يتخلى المسلمون عن الريادة ورضيت خير امة أخرجت للناس ، رضيت بالتبعية والدون ألا إنها دعوة إلى إحياء شعائر الدين في النفوس وتصحيح العقائد في القلوب ومراجعة الواقع بصدق وتصويب الخطأ بإنصاف .

ألا إنها دعوة لتوظيف وصناعة الحج لمصلحة الإسلام وبناء الأمة وإيقاظ الغافلين ، بدءاً من تحقيق التوحيد ومروراً بإحياء سنة الإتباع و انتهاءاً بنهضة الأمة ووحدتها وسيادتها وريادتها وما ذلك على الله بعزيز .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت