ومن الإيمان بالغيب: الإيمان بما أخبر الله به من الأمور المستقبلية، التي لم تحصل بعد: كخروج الدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، ونزول عيسى -عليه السلام-، وما أخبر به الرسول -صلى الله عليه وسلم- من أشراط الساعة الصغرى والكبرى، وغير ذلك.
بلاغة القرآن وفصاحته:
قوله -تعالى-: ( الغيب) دخل فيها كل غيب يجب الإيمان به، من الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر، وما أخبر به الله ورسوله من المستقبلات التي لم تحصل. فسبحان من اختص كتابه بقوة عبارته وفصاحتها، وبلاغتها، في جمعه المعاني العظيمة بألفاظ موجزة..
ذكر أقوال العلماء والمفسرين في قوله: (يؤمنون بالغيب) : عن أبي العالية في قوله -تعالى-: (( يؤمنون بالغيب ) )قال: يؤمنون بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وجنته، وناره، ولقائه، ويؤمنون بالحياة بعد الموت، وبالبعث، فهذا غيب كله. وكذا قال قتادة وغيره، وكلام العلماء في معنى هذا، يدور حول ما ذكر سابقاً من كلام أبي العالية -رحم الله الجميع-.
الصفة الثانية: (( ويقيمون الصلاة ) )قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: إقامة الصلاة إتمام الركوع، والسجود، والخشوع، والإقبال عليها فيها، وقال قتادة: إقامة الصلاة: المحافظة على مواقيتها، ووضوئها، وركوعها وسجودها.. وكلام المفسرين في هذا متقارب، والمعنى واحد، وهو أن المقصود بإقامة الصلاة أن تكون صلاة كاملة كما أراد الله.. والمفهوم السائد في هذا الزمن: أنهم فهموا من ذلك مطلق الصلاة، فكل من صلى فهو مقيم للصلاة، ولو كانت كيفما تكون.. إنه لا بد من التفريق بين القيام إلى الصلاة، وبين إقامة الصلاة.. إن إقامة الصلاة تعني: إتمام الصلاة بخشوعها، وركوعها، وسجودها والإقبال على الحي القيوم، وأما القيام إليها فمن الممكن أن يقوم كل واحد منا إلى الصلاة.. ولكن قد يكون قلبه معلق في أمور خارج الصلاة، فالجسد حاضر والروح طائر، فيخرج العبد من الصلاة ولا يدري ما قال فيها.. إلا أن هناك مسألة مهمة وهي: أن الواجب و الفريضة من حيث كون الصلاة فرضاً تكون قد رفعت عنه، أي الإيجاب و الإلزام بالصلاة، فهو بمجرد القيام بالصلاة يكون قد سقط عنه الفرض.. لكن الشيء الخطير الذي لا يتقنه إلا الحذاق، وهو كيف تكون صلاتنا كلها أو أكثرها مقبولة من حيث الأجر والثواب، ورفع الحسنات، وكيف لا تكون كذلك؟
إن الفارق بين هذا وذاك هو الخشوع والخضوع، والإقبال بالجوراح والقلب على الله -تعالى-، ولهذا جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم-أنه قال:"إن الرجل لينصرف وما كتب له إلا عشر صلاته, تسعها, ثمنها, سبعها,سدسها, خمسها، ربعها, ثلثها, نصفها"رواه أحمد وحسّنه الألباني .
وإقامة الصلاة من المفاهيم التي سيء فهمها، وغلط في تطبيقها، حيث أننا أخذنا الأمر على أنه ركيعات ننقرها كنقر الغرب الدم، ثم نخرج منها ونحن عباد الله المقربون!!
فسبحان من جعل لكتابه هذه الفصاحة والبلاغة، والمعاني العظيمة التي تستخرج من ألفاظ موجزة. فمن أقام الصلاة كما ذكر علماء التفسير وغيرهم، فهو المتقي حقاً، ويصدق عليه قول الله ( المتقين) وهو المهتدي بهذا القرآن، والمنتفع به حقاً.
الصفة الثالثة: دفع الزكاة الواجبة والمستحبة: (( ومما رزقناهم ينفقون ) )أي ومما أعطاهم الله من الرزق الذي سهله لهم في الأرض ينفقون ويخرجون زكاة أموالهم، التي هي ركن من أركان الإسلام.. قال قتادة: فأنفقوا مما أعطاكم الله، هذه الأموال عوار وودائع عندك يا ابن آدم، يوشك أن تفارقها. قال ابن كثير رحمه الله: (كثيراً ما يقرن الله بين الصلاة والإنفاق من الأموال، فإن الصلاة حق لله وعبادته، وهي مشتملة على توحيده، والثناء عليه، وتمجيده، والابتهال إليه، ودعائه، والتوكل عليه.. والإنفاق هو من الإحسان إلى المخلوقين، بالنفع المتعدي إليهم، وأولى الناس بذلك: القرابات، والأهلون، والمماليك، ثم الأجانب، فكل من النفقات الواجبة والزكاة المفروضة داخل في قوله -تعالى-:(( ومما رزقناهم ينفقون ) ). أ.هـ.
لقد اتضح لنا من خلال الكلام السابق أن الزكاة تشمل الآتي:
1.زكاة الأموال إذا بلغت النصاب وحال عليها الحول، وهي ركن من أركان الإسلام.
2.الإنفاق على الوالدين والأهل، وهذا واجب.
3.الإنفاق على الفقراء والمساكين، من غير الأقارب الواجب الإنفاق عليهم، فهذا من المستحبات، وهذا من غير الزكاة الواجبة والمفروضة؛ لأن الإنسان في هذه الحال يدفعها بدون إلزام ولا إيجاب من الشرع، ولكن لمزيد خير وإحسان.
فالإنفاق شامل لهذه الأصناف المذكورة.
فمن أدى زكاة ماله سخية بها نفسه، راضياً بحكم الله، من غير تكلف ولا جحود، ولم يكن كارهاً لبخله وحرصه، بل كان طيب النفس فهو من (المتقين) .
الصفة الرابعة: (( والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ) ).