2-ثم نقل عن سعيد بن نصير، عن سفيان بن عيينة قال:"قدم علينا يوسف بن يعقوب قاض كان لأهل اليمن، وكان يُذكر منه صلاح فسألته عن الحكم بن أبان فقال: ذاك سيد أهل اليمن، كان يصلي من الليل، فإذا غلبته عيناه نزل إلى البحر فقام في الماء يُسَبِّح مع دواب البحر".
ثم نقل عن أحمد بن عبد الله العجلي قال:
كان الحكم بن أبان إذا هدأت العيون وقف في البحر إلى ركبتيه يذكر الله حتى يصبح، قال: نذكر الله مع حيتان البحر ودوابه حتى نصبح.
قلت: وهذا الفعل مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم ، ودليل هذه المخالفة ما أخرجه الإمام البخاري في كتابه"التهجد"باب"ما يكره من التشديد في العبادة"في"صحيحه" (ح1150) ، ومسلم (ح784) من حديث أنس رضي الله عنه قال:"دخل النبي صلى الله عليه وسلم فإذا حبل ممدود بين الساريتين، فقال: ما هذا الجبل؟ قالوا: هذا حبل لزينب، فإذا فترت تعلقت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا، حُلُّوه، ليُصلِّ أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليقعد". واللفظ للبخاري.
قلت: وهذه الأفعال المخالفة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم تدل على أوهام الحكم بن أبان وضعف حفظه للصحيح.
ولذلك بيَّن الحافظ ابن حجر أن الحكم بن أبان ضعيف الحفظ حيث قال في"التقريب" (1-190) :"صدوق له أوهام".
3-نقل الحافظ ابن حجر في"التهذيب" (2-364) عن ابن عدي في ترجمة حسين بن عيسى أنه قال:"الحكم بن أبان فيه ضعف ولعل البلاء منه لا من حسين بن عيسى".
قلت: وما نقله ابن حجر عن ابن عدي في كتابه"الكامل في ضعفاء الرجال" (2-355) (118-487) .
ومن هاتين العلتين يتبين الضعف الشديد لهذه القصة الواهية.
ولذلك قال الحافظ ابن كثير في تعقيبه على حديث القصة:"هكذا رواه ابن أبي حاتم وهو حديث غريب جدًا"، وضعف القصة كذلك السيوطي في"الدر المنثور" (6-603) .
تنبيه هام
وقع تصحيف في سند القصة في تفسير ابن كثير، حيث جعل شيخ ابن أبي حاتم هو: أبو عبد الله الظهراني (بالظاء المعجمة) ، وذلك كما هو مُبين في طبعة دار الكتب العربية، والتي صُدّرت بأن هذه الطبعة:"قوبلت على عدة نسخة خطية بدار الكتب المصرية وصححها نخبة من العلماء"، وكذلك طبعة مكتبة الإيمان بالمنصور التي صُدِّرت بأنها:"طبعة جديدة- مضبوطة- محققة- معتنى بإخراجها- ومن أصح الطبعات وأكثرها شمولاً". وكذلك طبعة الريان للتراث.
قلت: وبالرجوع إلى الأصل الذي نقل عنه الإمام الحافظ ابن كثير وهو:"تفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم"تبين أن شيخه هو: أبو عبد الله الطهراني (بالطاء المهملة) كما قال في"تفسيره" (10-3439) ح (19355) : حدثنا أبو عبد الله الطهراني، حدثنا حفص بن عمر العدني، حدثنا الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس. فذكر القصة.
تحقيق التصحيف
حتى لا يتقول علينا متقول ويقول:"قد يكون التصحيف حدث في مطبوعة تفسير ابن أبي حاتم عند نقله من المخطوطة".
كان لابد من الرجوع إلى كتب الرجال وتركيز البحث حول مسألتين:
الأولى: شيخ الراوي.
الثانية: تلميذ الراوي.
الأولى: شيخ الراوي الذي روى عنه:
بالرجوع إلى كتاب"تهذيب الكمال" (5-52-1387) وجد أن: حفص بن عمر العدني الملقب بالفرخ هو شيخ أبي عبد الله الطهراني ولا يوجد ما يسمى بالظهراني.
حيث ذكره الإمام المزي فيمن روى عن حفص بن عمر مبينًا اسمه فقال عنه أنه:"محمد بن حماد الطهراني".
المسألة الثانية: تلميذ الراوي الذي روى له:
بالبحث في"تهذيب الكمال" (16-217-5749) في ترجمة: محمد بن حماد.
قال الإمام المزي:"محمد بن حماد الطهراني، أبو عبد الله الرازي، والد عبد الرحمن بن محمد بن حماد، من طهران الري لا من طهران أصبهان".
وبيّن أنه روى عن: حفص بن عمر العدني وغيره.
ثم بين أنه روى عنه: عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي وغيره.
قال الإمام النووي في"التقريب" (2-153- تدريب) النوع الخامس والثلاثون:"معرفة المصحّف: هو فن جليل، وإنما يحققه الحذّاق، والدارقطني منهم، وله فيه تصنيف مفيد، ويكون تصحيف لفظ وبصر في الإسناد والمتن، فمن الإسناد: العوّام بن مراجم"بالراء والجيم"صحّفه ابن معين فقاله بالزاي والحاء". اه.
قلت: وبهذا نواصل الغاية التي من أجلها قمنا بعمل هذه السلسلة وهي:
1-أن يقف القارئ الكريم على درجة هذه القصة.
2-أن يكون الداعية على حذر ويسلم له عمله على السنة وحدها.
3-أن يجد طالب هذا الفن نماذج من علم الحديث التطبيقي.
والله من وراء القصد.