ثم أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر الجميل على أذى قومه، وتكذيبهم له، وصدهم الناس عنه، فقال: واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا، فلابد للداعية من الصبر: الصبر على الأذى، والصبر على التكذيب، والصبر على صد الناس الناس عنه، والصبر على طول الطريق، والصبر على ثقل العبء، والصبر على تأخر النتائج، ولذا كثر الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم بالصبر، كما سبق مرارًا، واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا وهو الهجر الذي لا عتاب معه، ولا غضب، ولا مشادة، وكان ذلك في مكة قبل الهجرة، وقبل أن يأذن الله لرسوله في قتال المشركين.
ثم قال تعالى مهددًا للكافرين ومتوعدًا لهم، وهو العظيم الذي لا يقوم لغضبه شيء وذرني والمكذبين أي خل بيني وبينهم، واتركهم لي، فأنا القادر على الانتقام منهم، ولقد كانوا أولى الناس بالإسلام، واتباع النبي عليه الصلاة والسلام، شكرًا لله على ما حباهم من نعمة، ولكن القوم بدلوا نعمت الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار [إبراهيم:28] ، ولذا قال تعالى: وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا، ولو مهلهم الحياة الدنيا كلها ما كانت إلا قليلاً، فما الدنيا في حساب الله إلا يومٌ أو بعض يوم، وما هي في حسابهم هم أنفسهم حين تُطوى إلا كذلك، كما قال تعالى: قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين (112) قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين (113) قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون [البقرة:24] ، ثم ذكر ما لهم عنده من العذاب، فقال تعالى: إن لدينا أنكالا أي قيودًا، «وجحيمًا» ، وقودها الناس والحجارة [البقرة:24] ، وطعاما ذا غصة )) ينشب في الحلق في الحلق فلا يدخل ولا يخرج، وعذابا أليما يتحقق لهم يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيبا مهيلا، أي تصير ككثبان الرمل بعد ما كانت حجارة صماء، ثم إنها تُنسف نسفًا فلا يبقى منها شيء إلا ذهب، حتى تصير الأرض قاعًا صفصفًا، لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا، ثم وجه الله الخطاب إلى الذين كذبوا نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم، فذكرهم بمن كذب رسله من قبلهم، وكيف كان أخذه لهم، فقال: إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا (15) فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا فاحذروا معشر الناس أن تعصوا رسولكم كما عصى فرعون الرسول، فيأخذكم الله كما أخذ فرعون، إن أخذه أليم شديد [هود:102] ، ثم قال تعالى: فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان شيبا (17) السماء منفطر به كان وعده مفعولا، وإنه ليوم عظيم هوله، حيث تشيب من هوله الولدان، وتنفطر السماء، وتنشق الارض، وتسير الجبال سَيرا، ومعناه أنكم إن كفرتم فلن يحصل لكم أمانٌ من هول هذا اليوم العظيم، وهو كائن لا محالة، لأنه وعد الله، والله لا يخلف الميعاد.
ثم يلمس قلوبهم لتتذكر وتختار طريق السلامة، طريق الله، فيقول: إن هذه تذكرة أي هذه السورة وما جاء فيها تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا أي طريقًا ومسلكًا، فإنه لا نجاة من هذه الأهوال التي ذكرتها السورة عن اليوم الآخر إلا بسلوك سبيل الله.
وقوله تعالى: إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرءوا ما تيسر من القرآن، هذه هي آية التخفيف، فلقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقوم الليل، فقام هو والذين آمنوا معه سنةً كاملةً حتى تفطرت أقدامهم، ثم خفف الله عنهم بهذه الآية، فجعل القيام مندوبًا بعد ما كان واجبًا، وأمرهم أن يقرءُوا ما تيسر من القرآن من غير تحديد، وعبر عن الصلاة بالقراءة لأنها الركن الأعظم فيها.
ثم ذكر سبحانه أسباب التخفيف، فقال: علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فـ الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا، فمنكم من يكون مريضًا لا يستطيع القيام، ومنكم من يكونُ مسافرًا في طلب رزق الله، ومنكم من يكون مشغولاً بقتال أعداء الله، فلذلك خفف عنكم، وفي هذه الآية أكبر دليل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، حيث لم يكن القتال شُرع بعد، وأخبرهم بأن سيكون منهم من يقاتلون في سبيل الله، وهذا إخبارٌ بالغيب، لا يمكن أن يكون إلا من عند علام الغيب سبحانه.
ومرةً ثانيةً يكرر عليهم التخفيف: فاقرءوا ما تيسر منه بلا عسر ولا مشقة ولا إجهاد، وأقيموا الصلاة أي الواجبة، وآتوا الزكاة المفروضة، وأقرضوا الله قرضا حسنا يعني من الصدقات، واعلموا أنه وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا، واعلموا دائمًا أنكم دائمًا مقصرون في حق الله، مهما تحريتم الصواب والاجتهاد، فلا تمنوا بما تقدمون من خير واستغفروا الله إن الله غفور رحيم.