قال أبو عبد الله القرطبي -رحمه الله-: (وشبه الله -تعالى- في هذه الآية أحوال المنافقين بما في الصيب من الظلمات والرعد والبرق والصواعق.. فالظلمات مثل لما يعتقدونه من الكفر، والرعد والبرق مثل لما يخوفون به، وقيل: مثَّل الله -تعالى- القرآن بالصيب لما فيه من الإشكال عليهم، والعمى هو الظلمات، وما فيه من الوعيد والزجر هو الرعد، وما فيه من النور والحجج الباهرة التي تكاد أحيانًا أن تبهرهم هو البرق، والصواعق مثل لما في القرآن من الدعاء إلى القتال في العاجل والوعيد في الآجل، وقيل: الصواعق تكاليف الشرع التي يكرهونها من الجهاد والزكاة وغيرهما) .8
وقوله -تعالى-: (حذر الموت) حَذَرَ: منصوب؛ لأنه مفعول لأجله، أي: سبب جعلهم أصابعهم في آذانهم من الصواعق؛ لأجل خوفهم من الموت.
وقوله-تعالى-: (والله محيط بالكافرين) أي لا يجدي عنهم حذرهم ذلك، فإنهم لن يفوتوه ولن يفلتوا من قبضته وقهره -سبحانه-، وكما قال -تعالى- في الآية الأخرى: {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ * وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ} (19-20) سورة البروج، فلا ملجأ منه إلا إليه تبارك اسمه وتعالى جده ولا إله غيره.
قوله-تعالى-: (يكاد البرق يخطف أبصارهم) أي يقارب البرق من قوة لمعانه وشدة إضاءته أن يخطف أبصارهم، والخطف: الأخذ بسرعة.. والمقصود أن حجج القرآن وبراهينه الساطعة تكاد تبهرهم.. ومن جعل البرق مثلًا للتخويف فالمعنى أن خوفهم مما ينزل بهم يكاد يذهب أبصارهم.9
وقوله: ( كلما أضاء لهم مشوا فيه) أي كلما سمعوا القرآن وظهرت لهم الحجج أنسوا ومشوا معه، فإذا نزلت من القرآن ما يعمون فيه ويضلون به أو يكلفونه (قاموا) أي ثبتوا على نفاقهم، قاله ابن مسعود وقتادة -رضي الله عنهم- قال النحاس: وهذا قول حسن، ويدل على صحته: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} (11) سورة الحج.
وقوله -تعالى-: ( ولو شاء الله لذهب بسمعهم) أي ولو شاء الله لأطلع المؤمنين عليهم فذهب منهم عز الإسلام، بالاستيلاء عليهم وقتلهم وإخراجهم من بينهم.10
حكم عظيمة:
اشتمل المثالان السابقان على حكم عظيمة:
الأولى: أن المستضيء بالنار مستضيء بالنور من جهة غيره، لا من قبل نفسه، فإذا ذهبت تلك النار بقي في ظلمة.. وهكذا المنافق لما أقر بلسانه من غير اعتقاد ومحبة بقلبه وتصديق جازم كان ما معه من النور كالمستعار.
الثانية: أن دوام ضياء النار يحتاج إلى مادة تحمله كالزيت والغاز وو..، وتلك المادة بمنزلة الغذاء للحيوان، فكذلك نور الإيمان يحتاج إلى مادة من العلم النافع، والعمل الصالح، يقوم الإيمان بها ويدوم بدوامها، فإذا لم توجد مادة الإيمان طفئ كم تطفأ النار بفراغ مادتها.
الثالثة: أن الظلمة نوعان: ظلمة مستمرة لم يتقدمها نور، وظلمة حادثة بعد النور، وهي أشد الظلمتين وأشقهما على من كانت حظه، فظلمة المنافق ظلمة بعد إضاءة، فمثلت حاله بحال مستوقد النار الذي حصل في الظلمة بعد الضوء، وأما الكافر فهو في الظلمات لم يخرج منها قط.
الرابعة: في هذا المثل تنبيه إلى حال المنافقين في الآخرة، وأنهم يعطون نورًا ظاهرًا كما كان نورهم في الدنيا ظاهرًا، ثم يطفأ ذلك أحوج ما يكونون إليه، إذ لم تكن له مادة باقية تحمله، وهي الإيمان والعمل والعلم، وبقوا في الظلمة على جسر جهنم لا يستطيعون العبور.11
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا رب العالمين، اللهم أصلح قلوبنا، ونقها من الذنوب والمعاصي واغفر لنا إنك أنت الغفور الرحيم..
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..
1 -تفسير ابن عاشور
2 - «الكشاف» نقلا عن تفسير ابن عاشور
3 - «روح المعاني» للألوسي
4-تفسير ابن كثير 1/56. ط/ دار المعرفة.
5-المصدر السابق.
6-المصدر السابق.
7-التفسير القيم (118-119) ط: دار الفكر 1408هـ.
8-الجامع لأحكام القرآن (1/219-220) .
9-المصدر السابق.
10-المصدر السابق.
11-هذه الحكم ذكرها ابن القيم في ( التفسير القيم ص120-121) .