فهرس الكتاب

الصفحة 5172 من 9994

لعلم عمر بأن ما حصل هذا إلا بسبب ذنوب الناس، وأن هذا تهديد وعقوبة من الله عز وجل، إن في الزلازل عبراً وعظات لأولي الألباب، ودلالة على قدرة الله الباهرة، حيث يأذن لهذه الأرض أن تتحرك بضع ثوان أو دقائق فينتج عن ذلك هذا الدمار وهذا الهلاك وهذا الرعب، لعل الناس يتوبون إلى ربهم ويستغفرون من ذنوبهم. لأن هذا ما حدث إلا بسبب كفرهم ومعاصيهم. ويكثر هذا في آخر الزمان، كما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والبخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم ويتقارب الزمان وتكثر الزلازل وتظهر الفتن ويكثر الهرج ) ). قيل الهرج؟ أي ما هو يا رسول الله؟ قال: (( القتل القتل ) )وروى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إذا اتخذ الفيء دولاً، والأمانة مغنماً، والزكاة مغرماً، وتعلم لغير الدين، وأطاع الرجل امرأته وعقّ أمه وأدنى صديقه وأقصى أباه وظهرت الأصوات في المساجد، وساد القبيلة فاسقهم، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم الرجل مخافة شره، وظهرت القينات والمعازف، وشربت الخمور، ولعن آخر هذه الأمة أولها، فليرتقبوا عند ذلك ريحاً حمراء وزلزلة وخسفاً ومسخاً وقذفاً وآيات تتابع كنظام بال قطع سلكه فتتابع ) )بيّن صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أنه عندما تحدث هذه الجرائم في آخر الزمان فإنها ستقع عليهم العقوبات المتتابعة ومنها الزلازل؟ وقد رأيتم مصداق ذلك بما تكرر من حدوث هذه الزلازل المروعة، وقد يقول بعض المتحذلقين من الجغرافيين والعلمانيين: هذه الزلازل ظواهر طبيعية. لها أسباب معروفة. لا علاقة بها بأفعال الناس ومعاصيهم كما يجرى ذلك على ألسنة بعض الصحفيين والإعلاميين. حتى صار الناس لا يخافون عند حدوثها، ولا يعتبرون بها. كما يقول أشباههم من قبل عندما تصيبهم الكوارث والنكبات: قَدْ مَسَّ ءابَاءنَا الضَّرَّاء وَالسَّرَّاء [الأعراف:95] ، فيعتبرون ذلك حالة طبيعية وليست عقوبات لهم فيستمرون على غيهم وبغيهم، ولا يتوبون من ذنوبهم، والذي نقوله لهؤلاء المتحذلقين إن الكتاب والسنة يدلان على أن هذه الزلازل كغيرها من الكوارث إنما تصيب العباد بسبب ذنوبهم، وكونها تقع لأسباب معروفة لا يخرجها عن كونها مقدرة من الله سبحانه على العباد لذنوبهم، فهو مسبب الأسباب وخالق السبب والمسبب اللَّهُ خَالِقُ كُلّ شَىْء وَهُوَ عَلَى كُلّ شَىْء وَكِيلٌ لَّهُ مَقَالِيدُ السَّمَاواتِ وَالأرْضِ [الزمر:62، 63] .

فإذا أراد الله شيئاً أوجد سببه ورتب عليه نتيجته.كما قال تعالى: وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا [الإسراء:16] ، فاتقوا الله عباد الله واعتبروا بما يجري حولكم وبينكم وتوبوا إلى ربكم وتذكروا قول الله تعالى: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرّفُ الاْيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ لّكُلّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ [الأنعام:65-67] .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...

الخطبة الثانية

أما بعد: أيها الناس اتقوا الله وتوبوا إليه من ذنوبكم قبل أن يحل بكم ما حل بغيركم من العقوبات.نعم إن ما يحدث في الأرض اليوم من الزلازل المدمرة، والأعاصير القاصفة والحروب الطاحنة، والمجاعات المهلكة، والأمراض الفتاكة وحوادث المراكب البرية والبحرية والجوية التي يذهب فيها الأعداد الكبيرة من البشر، وتسلط قطاع الطرق ومختطفي الطائرات، وسطو اللصوص، كل ذلك يحدث بسبب الذنوب والمعاصي كما قال تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ [الشورى:30] ، وقال تعالى: وَكَذالِكَ نُوَلّى بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ [الأنعام:129] ، وإنه يحدث منا من الذنوب والمعاصي مالا يحصى، ومنه ما هو كفر كترك الصلوات المفروضة، وما هو من الكبائر الموبقة كأكل الربا، والرشوة، وتبرج النساء وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفعل الفواحش وغير ذلك مما نتخوف منه نزول العقوبة صباحاً ومساءً، كما قال تعالى: أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِى تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ [النحل:45، 46] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت