فهرس الكتاب

الصفحة 5100 من 9994

في هذا الشهر قوافل من التائبين يقصدون عفو الله ... فكن أحدهم ... فما أجمل أن يكون رمضان بداية للتوبة والإنابة .. فكم فيه من التائبين إلى الله ... وكم من المستغفرين من ذنوبهم ... النادمين على تفريطهم.

أنا العبد الذي كسب الذنوبا *** وصدته الأماني أن يتوبا

أنا العبد الذي أضحى حزينا *** على زلاته قلقاً كئيبا

أنا العبد المسئ عصيت سراً *** فمالي الآن لا أبدي النحيبا

أنا العبد المفرط ضاع عمر *** فلم أرع الشبيبة والمشيبا

أنا العبد الغريق بلج بحر *** أصيح لربما ألقى مجيبا

أنا العبد السقيم من الخطايا *** وقد أقبلت ألتمس الطبيبا

أنا الغدّار كم عاهدت عهداً *** وكنت على الوفاء به كذوبا

فيا أسفي على عمر تقضى *** ولم أكسب به إلا الذنوبا

ويا حزناه من حشري ونشري *** بيوم يجعل الولدان شيبا

ويا خجلاه من قبح اكتسابي *** اذا ما أبدت الصحف العيوبا

ويا حذراه من نار تلظى *** اذا زفرت أقلقت القلوبا

فيا من مدّ في كسب الخطايا *** خطاه أما آن الأوان لأن تتوبا

تقابل هذه الطاعة العظيمة آفة جسيمة: هي استغلال ما تبقى من شعبان في الإقبال على المعاصي

فالظالم يزيد من ظلمه ... والغاش يزيد في غشه ... وآكل الربا يزداد له أكلاً .. والسفيه يزداد سفهاً ...والفاجر يزداد فجوراً ..

هؤلاء يقبلون بشغف على محارم الله فينتهكونها بين يدي هذا الشهر الفضيل .. فيختمون شعبان بالمعاصي التي سيُحال بينهم و بينها بالصيام في رمضان ... و حالهم كما قال قائلهم:

إذا العشرون من شعبان ولت *** فواصل شرب ليلك بالنهار

و لا تشرب بأقداح صغار *** فإن الوقت ضاق عن الصغار

و لهؤلاء و أمثالهم من المقيمين على المعاصي ، و يغفلون عن علاّم الغيوب ، نصيب من قوله تعالى: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا لَهُمْ قُلُوبٌ و لا تشرب بأقداح صغار *** فإن الوقت لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُون).

الطاعة الثانية: الإمساك عن الطعام والشراب: وهو المرتبة الدنيا من مراتب الصيام .. ويسمى"صوم العموم"

وهي طاعة يقول عنها الحبيب محمد ( صلى الله عليه وسلم) : (( والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، يترك طعامه وشرابه من أجلي كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به ) )

كما أنها طاعة تدرب النفس على كسر شهواتها ... وكبح جماحها ... وتشعر المسلم بألم الجوع والحرمان الذي يعانيه الفقراء والمساكين ... بل وفيها من الفوائد الصحية ما يغني عن كثير من الأدوية ..

يقابل هذه الطاعة العظيمة آفة خطيرة: هي أن الكثير من الناس جعلوا رمضان موسماً للأكل والشراب ..

فتجد الكثير من الناس يأكل في رمضان ضعف ما يأكله في غير رمضان .. وينفق على شراء الأطعمة في رمضان أضعاف ما ينفق في بقية الأشهر ...

تجدون هؤلاء الناس يتسابقون على معارض الشهر الكريم ... تلك المعارض التي تجمع فيها أصناف المآكل والمشارب ... فلا يأتي رمضان إلا وقد ملئت المخازن

ثم إذا ما جاء رمضان .. تعال وانظر إلى حال صاحبنا .. وهو يوصي أهله بإعداد الأصناف المختلفة من المطاعم والمشارب ... ويظل يتردد طول نهاره بين البقالات والمطاعم .. ليجمع منها كل ما لذ وطاب .. من طعام وشراب ... فإذا ما أذن مؤذن المغرب .. تراه منكباً على طعامه وشرابه دون حساب ... هؤلاء وأمثالهم صدق في وصفهم من قال:

وأغبى العالمين فتى أكول *** لفطنته ببطنته انهزام

ولو أني استطعت صيام دهري *** لصمت فكان ديدني الصيام

ولكن لا أصوم صيام قوم *** تكاثر في فطورهم الطعام

فإن وضح النهار طووا جياعا *** وقد هموا إذا اختلط الظلام

وقالوا يا نهار لئن تجعنا *** فإن الليل منك لنا انتقام

وناموا متخمين على امتلاء *** وقد يتجشئون وهم نيام

فقل للصائمين أداء فرض *** ألا ما هكذا فرض الصيام

الطاعة الثالثة: صوم الجوارح: وهو المرتبة الوسطى من مراتب الصيام .. ويسمى"صوم الخصوص"

تصوم اليد عن المعاصي ؛ فلا تبطش .. ولا تسرق .. ولا تضرب ..

وتصوم الرجل عن المشي إلى المعاصي ...

و يصوم اللسان عن الكذب .. وقول الزور .. والنميمة والغيبة .. والسب .. والجدال ..

وتصوم الأذن عن سماع الغناء .. وتصوم العين عن النظر إلى العورات .

وصدق رسول الله حيث قال: (( من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ) )

وقال عمر بن الخطاب: ليس الصوم من الشراب والطعام وحده ولكنه من الكذب والباطل واللغو.

وقال جابر بن عبد الله: (إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمأتم، ودع أذى الخادم وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك ولا تجعل يوم فطرك ويوم صومك سواء) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت