فهرس الكتاب

الصفحة 5097 من 9994

6-روى مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد أن رجلاً سأل أبا موسى الأشعري فقال: إني مصصت عن امرأتي من ثديها لبنًا، فذهب في بطني، فقال أبو موسى: لا أراها إلا قد حرمت عليك، فقال ابن مسعود رضي الله عنه: انظر ماذا تفتي به الرجل؟ فقال أبو موسى: فماذا تقول أنت؟ فقال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: لا رضاعة إلا ما كان في الحولين، فقال أبو موسى: يا أهل الكوفة لا تسألوني عن شيء ما كان هذا الحبر بين أظهركم.

7-جاء رجل إلى عبد الله بن عمر يسأله عن رضاعة الكبير، فقال عبد الله بن عمر: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب، فقال: إني كانت لي وليدة وكنت أطؤها، فعمدت امرأتي إليها فأرضعتها، فدخلت عليها، فقالت: دونك، فقد والله أرضعتها، فقال عمر: أوجعها وَأْتِ جاريتك، فإنما الرضاعة رضاعة الصغير. [أخرجه مالك في الموطأ]

قال أبو عمر بن عبد البر: قد ذكرنا أنَّ عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب كانا لا يريان رضاعة الكبير شيئًا، فيمن ذكرنا من الصحابة في هذا الباب، وقال أيضًا: وقد ذكرنا أن أبا موسى رجع إلى قول ابن مسعود في هذه المسألة من رضاع الكبير، ولولا أنه بانَ له أنَّ الحقَّ في قول ابن مسعود ما رجع إليه، ولا يزال الناس بخير ما انصرفوا إلى الحق إذا بان لهم.

[اهـ من الاستذكار بتصرف]

ولقد ذكر ابن القيم في زاد المعاد مناظرة بين القائلين برضاع الكبير وبين القائلين بالحولين وأطال فيها ونحن نورد هنا ما تلخص من هذه المناظرة: قال المتعلقون بحديث عائشة بخصوص قصة سالم مولى أبي حذيفة:

هذا الحديث رواه من الصحابة أمهات المؤمنين، وسهلة بنت سهيل، وهي من المهاجرات، وزينب بنت أم سلمة وهي ربيبة النبي صلى الله عليه وسلم، ورواه من التابعين القاسم بن محمد وعروة بن الزبير وحميد بن نافع، ورواه عن هؤلاء الزهري وابن أبي مليكة وعبد الرحمن بن القاسم ويحيى بن سعيد الأنصاري وربيعة، ثم رواه عن هؤلاء أيوب السختياني وسفيان الثوري وابن عيينة وشعبة ومالك وابن جريج وشعيب ويونس وجعفر بن ربيعة ومعمر وسليمان بن بلال وغيرهم، قال الشوكاني بعد أن نقل هذا الكلام: وهؤلاء هم أئمة الحديث المرجوع إليهم في أعصارهم، ثم رواه عنهم الجم الغفير والعدد الكثير، وقد قال بعض أهل العلم: إن هذه السنة بلغت طرقها نصاب التواتر. [اهـ من نيل الأوتار]

ذكر ابن القيم بعد ذلك ردود القائلين بثبوت التحريم برضاع الكبير على أصحاب الحولين مفندين لأدلتهم، وفي آخرها قال: قالوا: وقد صح عنها أنها كانت تدخل عليها الكبير إذا أرضعته الرضاع المحرم أخت من أخواتها، ونحن نشهد بشهادة الله، ونقطع قطعًا نلقاه به يوم القيامة، أن أم المؤمنين لم تكن لتبيح ستر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بحيث ينتهكه من لا يحل له انتهاكه، ولم يكن الله عز وجل ليبيح ذلك على يد الصديقة بنت الصديق المبرأة من فوق سبع سماوات، وقد عصم الله تعالى هذا الجناب الكريم والحمى المنيع والشرف الرفيع أتم عصمة، وصانهُ أعظم صيانة، وتولى صيانته وحمايته والذَّبَّ عنه بنفسه ووحيه وكلامه. إلى آخر كلامهم.

ثم ذكر رحمه الله تعالى أن القائلين بالحولين اختلفوا في حديث سهلة هذا على ثلاثة مسالك:

أحدها: أنه منسوخ، وهذا مسلك كثير منهم، قال: ولم يأتوا على النسخ بحجة سوى الدعوى، فإنهم لا يمكنهم إثبات التاريخ المعلوم التأخر بينه وبين تلك الأحاديث، ولو قلب أصحاب هذا القول عليهم الدعوى، وادعوا نسخ تلك الأحاديث بحديث سهلة لكانت نظير دعواهم.

المسلك الثاني: أنه مخصوص بسالم دون من عداه، وهذا مسلك أم سلمة رضي الله عنها ومن معها من نساء النبي صلى الله عليه وسلم ومن تبعهن، قال: وهذا المسلك أقوى مما قبله- أي أن مسلك التخصيص أقوى من مسلك النسخ- ثم ذكر أقوال أصحاب هذا القول إلى أن قال:

قالوا: ويتعين هذا المسلك لأنا لو لم نسلكه لَزِمَنَا أحد مسلكين، ولابد منهما، إما نسخ هذا الحديث بالأحاديث الدالة على اعتبار الصغر في التحريم، وإما نسخها به، ولا سبيل إلى واحد من الأمرين لعدم العلم بالتاريخ، ولعدم تحقق المعارضة ولإمكان العمل بالأحاديث كلها.

ثم قال رحمه الله تعالى فيما أورده من ردود أصحاب الحولين: وأما حديث الستر المصون والحرمة العظيمة والحمى المنيع، فرضي الله عن أم المؤمنين، فإنها وإن رأت أن هذا الرضاع يثبت المحرمية، فسائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يخالفنها في ذلك، ولا يرين دخول هذا الستر المصون والحمى المنيع بهذه الرضاعة، فهي مسألة اجتهاد، وأحد الحزبين مأجور أجرًا واحدًا، والآخر مأجور أجرين، وأسعدهما بالأجرين من أصاب حكم الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم في هذه الواقعة.

فكلٌ من المُدْخِل للستر المصون بهذه الرضاعة، والمانع من الدخول فائز بالأجر، مجتهد في مرضاة الله وطاعة رسوله وتنفيذ حكمه، ولهما أسوة بالنبيين الكريمين- داود وسليمان- اللذين أثنى الله عليهما بالحكمة والعلم، وخص بفهم الحكومة أحدهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت