ولا يعني هذا أن كل من جمع مالاً أو اغتنى، أو ولاّه الله أمراً أو منصباً أن يلغى، لا، لأن الأمة لا تستغني عن هؤلاء أيضاً، ولكن المعنى أن نرحم أولئك المساكين، وأن نعيش مأساتهم، وأن نحبهم، وأن نقف معهم ونلبي طلباتهم، لأن صوتهم ضعيف لا يصل، وخطوتهم قصيرة فلا تمتد، وتغلق الأبواب في وجوههم لأنهم مساكين، والأعطيات لا تنالهم لأنهم مساكين، فحق على المسلم أن يشفع لهم، وأن يعيش قضيتهم.
أيها الناس:
كان عليه الصلاة والسلام، يزور عجائز المدينة، ولعل أحداً يسأل، ولماذا لم يرسل أحداً من أصحابه، ويبقى هو في بيته؟
فنقول: إن زيارته لعجوز في طرف المدينة خير من ألف محاضرة، وألف كتاب، وألف تصريح، وألف خطبة.
يزور عليه الصلاة والسلام العجوز فيسألها عن حالها، ويمسكه الأعرابي في الطريق فيوقفه حتى ينتهي من حاجته، ويحمل الأطفال ويداعبهم، كان الفقير والمسكين والضعيف يأخذ بيديه عليه الصلاة والسلام، فينطلق به حيث شاء، فزكّاه ربه بتاج من الوقار والمديح والثناء، لا يعدله شيء وإنك لعلى خلقٍ عظيم [القلم:4] .
إن القلوب القاسية ترفض هذا السلوك وتسميه تنازلاً وتدميراً للشخصية، وبعضهم يزعم أنه إذا زار الفقراء أو وقف مع المساكين، سقطت هيبته، وانهار كبرياؤه، ولذلك تجده يضيف على نفسه حالة من الكبر والعبوس والغلظة، فيمقته الله، ويسقطه من العيون، فلا تحبه القلوب، ولا تدعو له الألسنة، ولا تعشقه الأرواح، ولا يجد قبولاً في الأرض، بل بغضاً ومقتاً وكرهاً.
وقد ذكر عليه الصلاة والسلام؛ أن المتكبرين يحشرون يوم القيامة في صورة الذرّ يطؤهم الناس بأقدامهم [8] .
نعوذ بالله من الكبر والمتكبرين، ومن الجبروت والمتجبرين، ونسأله تعالى أن يرحمنا برحمة المساكين، وأن يعفو عنا كما يعفو عن المذنبين.
عباد الله:
أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
[1] انظر: الدر المنثور (3/25، 26) .
[2] أخرجه البخاري (6/123) .
[3] أخرجه أبو داود (3/32) رقم (1594) ، والنسائي (6/46) رقم (3179) والترمذي (4/79) رقم (1702) ، وقال الترمذي: حسن صحيح ، وصححه الألباني كما في صحيح الجامع ، رقم (41) .
[4] أخرجه عبد بن حميد والبيهقي عن أبي سعيد ، والطبراني والضياء عن عبادة بن الصامت ، وصححه الألباني كما في صحيح الجامع رقم (1261) .
[5] قال الهيثمي في المجمع (9/372) رواه البزار عن شيخه عباد بن أحمد ، وهو متروك.
[6] أخرجه أبو داود (4/197) رقم (4595) ، وابن ماجه (2884 ، 885) رقم (2649) ، وأحمد (3/128 ، 167 ، 284) .
[7] أخرجه البخاري (1/5) ، ومسلم (3/1393-1397) رقم (173) .
[8] أخرجه الترمذي (4/565) رقم (2492) وقال:حسن صحيح، وأحمد (2/179) وحسنه الألباني كما في صحيح الجامع رقم (8040) .
الخطبة الثانية
الحمد لله حمداً حمداً، والشكر لله شكراً شكراً، والصلاة والسلام على المعلم الأمين، والبشير النذير، والقائد النحرير، وعلى آله وصحبه والتابعين.
أيها الناس:
العمل والعمال قضية كبرى تحتاج إلى بسط من الحديث، وإلى مقام أطول من هذا المقام، لكنني أشير إليها لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
هؤلاء العمال قصتهم المأساوية تبدأ من يوم أن ترك أحدهم أطفاله وزوجته، وترك جيرانه وأهله، وترك بيته الذي كان يألفه، ومراتع الصبا التي عاش فيها، ترك كل ما يعرف، وكل ما يألف، وكل ما يحب، وسافر مئات الأميال، إلى بلاد هي غريبة عنه، لا يعرف فيها أحداً، ولا يألف فيها شيئاً، ولماذا أتى؟ هل أتى للسياحة؟ هل أتى ليجمع معلومات عن هذه البلاد؟ لا، إنما أتى طلباً للقمة العيش له ولأطفاله.
إنني أتكلم عن العمال المسلمين الموحدين، أما غير المسلمين، فقد أفتى كثير من أهل العلم أنه لا يجوز استقدامهم إلى جزيرة العرب، إنما أتكلم عن العمال المسلمين المساكين الفقراء، الذين أتوا من أنحاء الأرض يطلبون الرزق الحلال.
فتصور ماذا يحدث لبعضهم: أول ما يأتي إلى هذه البلاد، يجبره كفيله أن يدفع كل ما أنفق في الرحلة من بلاده إلى هنا، وهو مسكين لا يقدر على ذلك، فيجعل ذلك ديناً عليه، يؤديه إليه كل شهر، فيبقى المسكين شهوراً طويلة، يدفع ثمن التذكرة، وثمن التنقل، وثمن الفيزة، وغير ذلك.
ثم ماذا يحدث؟ اسألوا أصحاب المؤسسات وأصحاب المشروعات التجارية عن ذلك.
إن العامل من هؤلاء يتقاضى أربعمائة ريال، أو خمسمائة ريال أو ستمائة ريال، وبعضهم أقل من ذلك، ثم يأتي هذه الجبار الذي لا يرحم المستضعفين، فيطالبهم بحقوقه، ولا يدفع لهم حقوقهم، فإذا انتهى الشهر ماطلهم على هذا الراتب الزهيد البسيط الذي يصرفه الواحد منا في يوم واحد!!
ثم إذا طلب المسكين إجازة لم يعطه، يطلب أن يذهب إلى أطفاله فيرفض، فلا هو بالذي حصل على مالٍ لأهله، ولا أراح جسمه من العمل والظلم والعتو والجبروت.
فأين الإسلام؟ وأين ما تعلمناه من سيرة الرسول، عليه الصلاة والسلام ورحمته بالمساكين؟