وكم تحدث اليوم في مساجد المسلمين من الأذية، فالأطفال الغير المميزين من جهة، وعوام الناس وجهلتهم من جهة أخرى، فترتفع الأصوات في الشجار والخصام في بيوت الله!! فأين تعظيم بيوت الله؟ فلو أن أناسًا ارتفعت أصواتهم أو تشاجروا أو تخاصموا في بيت أحد الأمر أو الوزراء أوشيخ القبيلة؟ فماذا عساه أن يكون؟ وما الذي سيفعله ذلك الأمير أو الوزير أو شيخ القبيلة؟ لا شك أنه ستنتفخ أوداجه، ويحمر وجهه، ويشتد غضبه، وذلك لأنه حصل شيء من الأذية والمشاجرة والمخاصمة في بيته، فكيف بالأذية والمخاصمة والمشاجرة في بيوت رب العالمين!!
والأدهى والأمر من ذلك أذية أصحاب الأهواء والبدع للمسلمين في المساجد، وما يلقونه عليهم من الأباطيل والخزعبلات، والكذب والأقاويل، فيخدشون بها عقيدة المسلمين، التي هي أشد وأخطر من خدش أجسامهم الذي نهى النبي الكريم عن ذلك، كما سبق أن ذكرنا في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وفيه:"كي لا نخدش مسلمًا".
فنقول لأهل الأهواء والبدع كفوا عن أذية المسلمين، وخدش عقيدتهم وأفكارهم، واتقوا يومًا لا ينفع فيه مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلبٍ سليم، وصاحب القلب السليم هو الذي سلم من الشرك والذنب والمعصية.
واعلموا أنكم ستقفون أمام ربكم، وتسألون عن افترائكم عن رب العالمين، وعن كذبكم عن سيد المرسلين، وعن تأويلاتكم لنصوص الوحي المبين، وعن سوء ما كنتم تعملون، فماذا عساكم أن تجيبون؟! قال الله تعالى: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ} سورة الصافات (24- 25) .
ومما يدخل في الأذية إتيان المسجد لمن أكل ثومًا أو بصلًا أو كراثًا، وما في معناها من الروائح الكريهة؛ كأصحاب السجاير، والعمال الذين تنبعث منهم روائح كريهة نتيجة عملهم، فعن جابر بن عبد الله- رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"من أكل ثومًا أو بصلًا فليعتزلنا - أو ليعتزل مسجدنا- وليقعدن في بيته"18 .
وعنه أيضًا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"من أكل البصل أو الثوم أو الكراث فلا يقربنّ مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم"19
كل ذلك منعًا للرائحة الكريهة التي يتأذى بها الحاضرون من الملائكة والمصلون.
وقد جاء الترغيب في السنة في التطيب ليوم الجمعة، كما في حديث أبي سعيد الخدري قال: أشهد على رسول - صلى الله عليه وسلم - قال:"الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، وأن يستن، وأن يمس طيبًا إن وجد"20 .
وعن سلمان الفارسي قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر ويدهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بينه وبين الجمعة الأخرى"21.
وأمر الله بأخذ الزينة عند الذهاب إلى المسجد فقال: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} (31) سورة الأعراف.
كل ذلك منعًا للأذية، وتهيئة للنفوس للخشوع في الصلاة، والإقبال على الله.
ومما يدخل في الأذية، وقد انتشر في هذه الأيام، تلك الرنات والنغمات التي تنبعث من الهاتف المحمول- الجوال - فإن فيها أذية للمسلمين بالتشويش عليهم في صلواتهم، وسلب لخشوعهم، وإهانة لبيوت الله، وعدم المبالاة بتعظيمها وتكريمها وتشريفها، قال الله: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ } سورة الحج 32 .
وقال: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا} سورة الأحزاب58. وقال: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} . سورة النور 36.
ورفع المساجد يكون بتطهيرها، والعناية بنظافتها، وتقديسها، وعدم أذية روادها، والقادمين إليها، وعدم ارتكاب أي عمل ينافي الأدب معها.
وهناك أمر أخطر من كل ما سبق في قضية الجوال - ألا وهي- عدم إغلاقه وقت صلاة وسماع خطبة الجمعة، مما يضطر صاحب الجوال إلى إغلاقه وذلك في وقت سماعه للخطبة، وبفعله ذلك يكون قد تسبب في إهداره لأجر الجمعة، فعن أبي هريرة قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فدنا وأنصت واستمع غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام ومن مس الحصى فقد لغا"22.
حتى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو من دعائم الدين القويم، حث الشارع على عدم الأمر بالمعروف في وقت سماع الخطبة، فقد جاء في الحديث عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت"23 وقد فسر العلماء اللغو في الجمعة أنه لا ثواب له، ولكن جمعته صحيحة وعليه الإثم.
والذي يغلق تلفونه في وقت سماع الخطبة يكون قد ارتكب فعلًا أكبر من الذي مس الحصا.
والأدهى والأمر أن بعض جهال المسلمين، وٍالذين يأتون للجمعة عادة، أو ما أشبه ذلك، ربما يرن جواله، فيقوم بالكلام والتحادث مع من اتصل به والإمام يخطب، وهذا ما شاهدناه بأم أعيننا، وخاصة إذا كان في خارج المسجد - صرح المسجد- ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فيجب على كل مسلم يحب الله، ويرجو عفوه ومغفرته، أن يمتثل أوامر الله ويجتنب نواهيه، وأن يعظم حرماته وشعائره، وأن يحافظ على المساجد من العبث فيها، وأذية المسلمين الخاشعين الراكعين الساجدين فيها، وأن يقطع كل وسائل الاتصالات بينه وبين الناس، وأن يتصل مع الله - جل وعلا- وذلك بمحافظته على الصلوات الخمس في المساجد مع الجماعة، مع العناية الشديدة بخشوعها، ولا يتأتى ذلك إلا بترك كل ما يشغل عن الله.
فالله الله في احترام المساجد وتعظيمها، وعدم أذية المسلمين العمار لها. والله أعلى وأعلم، ولحمد الله رب العالمين. وإلى الحلقة الثالثة- إن شاء الله-.
1-انظر إصلاح المساجد للقاسمي ص133-134.
2 -رواه مسلم.
3 -أخرجه مسلم والنسائي والترمذي والدارمي وأحمد عن أبي مالك الأشعري.
4 -رواه البخاري.
5 -إصلاح المساجد ص (188)
6 -رواه البخاري ومسلم.
7 -رواه البخاري من حديث أنس.
8 -رواه البخاري
9 -الحديث رواه البخاري وغيره.
10 -رواه النسائي وغيره.
11 -أخرجه البخاري ومسلم
12 -رواه أبو داود وحسنه الألباني في الإ رواء 363/7 وصحيح أبي داود 991 .
13 -أخرجه البخاري ومسلم .
14 -رواه البخاري.
15 -أخرجه الترمذي وابن حبان وحسنه الألباني في غاية المرام رقم (420) .
16 -رواه البخاري.
17 -رواه البخاري.
18 -رواه البخاري ومسلم.
19 -رواه البخاري ومسلم.
20 -رواه البخاري
21 -رواه البخاري.
22 -رواه مسلم.
23 -أخرجه البخاري ومسلم .