والمعنى واضح، فالأعاصير يتم رصدها والتعامل معها بوسائل التقنية الحديثة للتخفيف من آثارها المدمرة، ولا تملك هذه الوسائل إلا الدول المتقدمة وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، أما الدول النامية فتعصف بها الأعاصير والكوارث الطبيعية التي تقتل الآلاف وتشرد الملايين كما حدث في الزلزال الذي ضرب المحيط الهندي وأدى إلى خروج أمواج المحيط تعصف بشواطئ دول عديدة في شرق آسيا وراح ضحيته أكثر من مائة ألف قتيل في أندونسيا وما حولها في العام الماضي وما تزال آثار الكارثة قائمة حتى الآن.
ولكننا فوجئنا في الأيام التالية بالذعر في تصريحات المسئولين عن الولايات التي ضربها الإعصار، لقد أغرقت المياه مدينة بأكملها وهي نيو أورليانز، وضربت ثلاث ولايات أمريكية وحطمت محطات بترولية، وبدأ الصراخ يعلو في أمريكا، وظهرت القوة العظمى والقطب الأوحد في صورة دولة نامية ضربتها كارثة مدمرة، وبدأت المساعدات الإنسانية تتسلل على استحياء من بعض الدول، حتى أعلن الرئيس الأمريكي استعداد بلاده لقبول المساعدات الإنسانية من كافة دول العالم نظرًا لحجم الكارثة، والارتفاع الجنوني في أسعار البترول، فانهالت المساعدات بصورة لم يسبق لها مثيل، حتى إن دولة صغيرة مثل الكويت قدمت خمسمائة مليون دولار مساعدات إنسانية وبترولية للدولة العظمى، وعلت الأصوات داخل الولايات المتحدة باتهام الرئيس وإدارته بأنه لم يحسن التعامل مع الأزمة، وارتفعت أصوات السود والملونين تتهم الولايات المتحدة باستمرار نزعتها العنصرية وتم إجلاء سكان المناطق المضروبة، وإرسال قوات أمن لمنع عمليات السلب والنهب التي تعرضت لها المناطق المنكوبة.
ثم وردت أخبار الإعصار الثاني إعصار"ريتا"فازداد الهلع والفزع وقدرت أجهزة الرصد أن درجة الإعصار بلغت خمس درجات وهي أعلى درجة تدميرية، وتم إجلاء السكان الذين كانوا قد بدأوا في العودة، ولكن بقدرة عجيبة خفتت حدة الإعصار ثم تحول إلى ريح هادئة أو نسمة رقيقة.
ونعلم جميعًا أن رب العالمين سبحانه مدبر الأمر ومالك الملك يقول للشيء كن فيكون.
الخبر الثالث: ثم كانت انتخابات الرئاسة في مصر بمثابة إعصار يحرك الركود في الحياة السياسية والحزبية في مصر، وسمعنا لأول مرة أصواتًا تدعو للديمقراطية الليبرالية وتطالب بتغيير الدستور المصري، وتؤكد على تغيير المادة الثانية من الدستور والتي تقرر أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع.
إنه إعصار علماني جديد يريد أن يلتهم بلدنا الحبيب، لا يسره أن يقال دين الدولة الإسلام، فالدولة العلمانية لا تعترف بالدين، ولهذا كتبنا في العدد قبل الماضي مقالاً بعنوان:"ماذا نريد من الرئيس"؟ نحذر من هذا المد العلماني الخطير، ونؤكد على هوية مصر المسلمة كما جاء في الدستور المصري وكما هو مقرر في قلوب أغلبية المصريين.
ولأجل هذا أقول للمرشحين في الانتخابات البرلمانية المقبلة: نحن لا نلعب بالشعارات، ولا نحب من يعبث بالمقدسات، اعلموا أنكم على أبواب مسئولية عظيمة تحتاج إلى وعي وإلى علم وقوة، وأن الله عز وجل جعل الولاية أمانة، لا يقوى على حملها إلا الرجال أصحاب العلم والقدرة على تحقيق مصالح هذا الشعب.
قال تعالى: قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين.
وقال تعالى على لسان يوسف: اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم {يوسف: 55} .
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر حين سأل الولاية:"إنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها". رواه مسلم.
وقال لعبد الرحمن بن سمرة:"يا عبد الرحمن، لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها". متفق عليه.
وقال صلى الله عليه وسلم:"اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به". رواه مسلم.
واعلموا أنكم مسئولون عن شريعة الإسلام، وعن كل تشريع أو قانون يخالف هذه الشريعة، فاتقوا الله فينا، اتقوا الله في هذا الشعب يا رعاة هذا الشعب، واعلموا أنكم ستقفون بين يدي الله عز وجل فيسألكم:"ألا كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم، والمرأة راعية في بيت زوجها وولده وهي مسئولة عنهم، والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته". متفق عليه.
الخبر الرابع: ثم كان الزلزال الذي ضرب الهند وباكستان، وتركزت الإصابة في كشمير المسلمة المتنازع عليها بين الهند وباكستان، ومن العجيب أن الكارثة هدأت كثيرًا من التوتر الموجود بين الجارتين النوويتين، وسمح ببعض التعاون للتخفيف من آثار الكارثة التي راح ضحيتها أكثر من أربعين ألف قتيل، وأكثر من ثلاثة ملايين مشرد.