وهذا ـ معاشر المؤمنين ـ أهم أركان النصر، فمتى ما عرف العبد أن ما معه من العتاد ومن القوة لا يساوي شيئاً، وإنما النصر من عند الله، كتب الله عز وجل له النصر المبين، فهؤلاء أصحاب المصطفى بعدما أصابهم القرح يوم أحد، وأصيب منهم من أصيب بلغهم أن أهل مكة تندّموا أنهم لم يجهزوا على النبي ، ولا على أصحابه، وقد كان لهم النصر، فعزم أبو سفيان ومن معه أن يعودوا إلى المدينة، قالوا: هذه فرصتنا بعد أن خسر المسلمون وانهزموا نعود إليهم مدججين بالسلاح فنقضي عليهم، فلما بلغ ذلك النبي صلوات ربي وسلامه عليه بلغه أن الناس قد جمعوا لهم، فجمع أصحابه وأمر خصوصاً من أصيب يوم أحد أن يكون في مقدمة الركب، وخرج إلى حمراء الأسد منطقة قرب المدينة، فأنزل الله عز وجل مثنياً على عباده الذين استجابوا لرسوله من بعد ما أصابهم القرح، أثنى عليهم فقال: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [3] [آل عمران:173] .
فبين جل وعلا ـ معاشر المؤمنين ـ حال أولئك النفر الكرام وكيف أنهم يبرؤون من الحول والقوة إلا بالله، وأنهم مهما فعلوا وانتصروا فإنهم يرجعون ذلك إلى فضل الله وقوته.
يوم بدر ـ كما ثبت في الصحاح وغيرها ـ أخذ النبي حفنة من تراب، وقذف بها في وجوه القوم وقال: (( شاهت الوجوه ) ) [4] ، وتكرر نفس الأمر يوم حنين [5] ، فأخبر الله عز وجل بحقيقة ينبغي أن تكون نصب كل عين مؤمنة: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَاكِنَّ اللَّهَ رَمَى [الأنفال:17] .
فهذا أمر ـ معاشر المؤمنين ـ ينبغي أن يتربى عليه العبد المؤمن، وأن يعلم أن النصر من عند الله عز وجل، وأن المسلم إذا أخلص لله واعتمد عليه وتوكل عليه، وتبرأ من الحول والطول والقوة، واستمسك بالعروة الوثقى، فإن الله عز وجل ينصره لا محالة، وما انتصر المسلمون في غزوة أيام المصطفى كانوا فيها أقوى من العدو أو أكثر عدداً، فكان صلوات ربي وسلامه عليه يهمس دبر كل صلاة بهذا الدعاء الذي ينبغي أن ترطب به لسانك ـ أيها العبد المؤمن ـ دبر كل صلاة: (( اللهم بك أقاتل، وبك أصاول، ولا حول ولا قوة إلا بالله ) ).
أسأل الله العظيم رب العرش العظيم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعلني وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
[1] أخرجه أحمد [23927] ، وابن حبان [1975] ، وإسناده صحيح على شرط مسلم.
[2] أخرج هذه القصة مسلم في الجهاد [1775] من حديث العباس رضي الله عنه.
[3] انظر: تاريخ خليفة بن خياط (1/74) ، وتاريخ الطبري (2/75) ، والبداية والنهاية (4/49) .
[4] أخرجه ابن جرير في تفسيره (13/442 ـ446) من أوجه متعددة.
[5] أخرجه مسلم في كتاب الجهاد [1777] من حديث سلمة بن عمرو رضي الله عنه.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بفضلك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين.
إذا أعجب العبد بنفسه ـ معاشر المؤمنين ـ بأي صورة كانت عاقبه الله عز وجل، فمن أعجب بقوته قد سمعتم ما حصل له، وإن كان نبياً مرسلاً مكرماً عند ربه جل وعلا.
ومن يعجب بماله وثروته كذلك يعاقبه الله عز وجل كالذي دَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَاذِهِ أَبَداً [الكهف:35] . فعاقبه الله عز وجل.
ومن يعجب بعلمه وفهمه لشرع الله عز وجل يعاقب أيضاً كما جاء في صحيح البخاري: (( قام موسى خطيباً في بني إسرائيل، وقال: لا أعلم على وجه الأرض أحداً أعلم مني ـ فأعجب صلوات ربي وسلامه عليه بما معه من علم وما آتاه الله من وحي ـ فأوحى الله إليه: بلى، عبدنا خضر ) )، فأمره أن يذهب إلى الخضر، وأن يتعلم منه، وتعلم كليم الله من أحد أنبياء الله، ووقف محتاراً أمام الأمور التي كان يفعلها الخضر، من خرق السفينة، وقتل الغلام، وبناء الجدار، حتى بين الله عز وجل له أن فوق كل ذي علم عليما [1] .
ومن أعجب بقوته الجسدية كذلك يعاقبه الله ويذلّه ولو كان كريماً، ويخالف مراده وإن كان نبياً، فهذا سليمان نبي الله أقسم أنه ليأتين مائة من نسائه، كل واحدة منهن تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله، فلم يستثن ولم يُحل الأمر إلى مشيئة الله وقوته وإذنه جل وعلا، فعوقب فلم تحمل منهن واحدة، إلا واحدة أتت بنصف إنسان [2] .