محمد: لما هاجر صلى الله عليه وسلم الى المدينة ومعه أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - وخادمه عامر بن فهيرة ودليلهما عبد الله بن أريقط، فكان أن مروا على خيمة أم معبد الخزاعية، فطلبوا منها طعاما، فلم يكن عندها ما تعطيهم، وقالت ما عندي والله إلا هذه العنز الضعيفة التي لا لبن فيها لشدّة هزالها، فكان أن اقترب النبي صلى الله عليه وسلم من تلك العنز، ومسح على ضرعها، ودعا الله سبحانه، فما لبثت تلك العنز أن امتلأ ضرعها باللبن، فحلب النبي صلى الله عليه وسلم، وشرب هو ومن معه، ثم حلب وأعطى لأم معبد وهي تنظر إليه، لا تكاد تصدق ما ترى، ثم مضى عليه السلام دون أن تعرف من يكون الرجل. فلما رجع زوجها الى خيمتها وجد اللبن في البيت وهو لم يشربه منذ مدة، فسألها، فحدثته بما جرى من أمر ذلك الرجل الذي مسح ضرع العنز، فامتلأت لبنا، فسألها عن أوصافه، فقالت فيه وصفا دقيقا حفظته كتب السير، يجمع بين جمال الخُلُق وكمال الخَلق، وهي التي لم تره إلا مرة واحدة، فقالت: ( رأيت رجلا ظاهر الوضاءة(حسن الوجه) ، أبلج الوجه (مشرق الوجه) ، حسن الخَلق لم تَعِبْهُ ثجلة (عظم البطن) ، ولم تزرِ به صُعلة (صغر الرأس) ، وسيماً (جميل الخلقة) ، قسيما، في عينيه دَعَجٌ (شدة سواد العين) ، وفي أشفاره وطف (كثيف الرمشين) ، وفي صوته صهل (ليس بحاد الصوت) ، وفي عنقه سَطْع (إشراق وطول) ، وفي لحيته كثاثة (دقة نبات شعر اللحية مع استدارة فيها) ، أزج أقرن (دقة شعر الحاجبين مع طول فيهما واتصال ما بينهما من شعر) ، إن صمَتَ فعليه الوقار، وإن تكلم سما وعلاه البهاء (حسن المظهر) ، أجمل الناس وأبهاهم من بعيد، وأحسنهم وأجملهم من قريب، حلو المنطق، فصلا لا نزرا ولا هذرا، كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن، رُبعة، لا تشنؤه من طول (ليس طويلا طولا مفرطا) ولا تقحمه عين من قصر (لا تحتقره لشدة قصره) ، غصنا بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرا، وأحسنهم قدرا، له رفقاء يحفون به، إن قال سمعوا لقوله، وإن أمر تبادروا الى أمره، محفودا محشودا (مخدوما يحيط به أصحابه) ، لا عابسا ولا مقيدا)، فلما سمع زوجها أبو معبد ما قالته زوجته، قال: ( هذا والله صاحب قريش الذي ذُكر لنا من أمره ما ذُكر ولقد هممت أن أصاحبه ولأفعلن إن وجدت الى ذلك سبيلا) .
يا حبيبي يا رسول الله:
فمثلك لم ترَ قطّ عيني
ومثلك لم تلد النساء
وُلدتَ مبرأً من كل عيب
كأنك قد خلقت كما تشاءُ
عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة مقمرة وعليه حُلّة حمراء، فجعلت أنظر إليه والى القمر، فلهو كان في عيني أحسن من القمر.
وكان الحزن والسرور يظهران على وجه النبي صلى الله عليه وسلم ، لأنه كان أبيض مشربا بحمرة، فعن أنس رضي الله عنه قال: (كان إذا كره شيئا رؤي ذلك على وجهه) .
وروى مسلم عن أبي الطفيل قال: قلت له: أرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: نعم، كان أبيض مليح الوجه.
أما منطقه صلى الله عليه وسلم وحُسن حديثه وفصاحة لسانه وطيب معشره، فقد وصفه ابن أبي هالة قائلا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متواصل الأحزان، دائم الفكر، ليست له راحة، لا يتكلم في غير حاجة، طويل السكوت، يتكلم بجوامع الكلم فصلا، لا فضولا ولا تقصيرا، دمثا ليس بالجافي ولا المهين، يعظم النعمة وإن دقّت لا يذمُّ منها شيئا، لا يقوم لغضبه إلا إذا تعرض الحق لشيء حتى ينتصر له، لا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها، وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غضّ طرفه، جلّ ضحكه التبسم.
وليس غريبا على من كانت هذه شمائله وصفاته أن يكون أرحم الناس بأكثر من يقع عليهم الظلم في المجتمع النساء والأطفال والفقراء، فلقد كان صلى الله عليه وسلم أرحم الناس بالنساء، فكان يجالس أزواجه وأقاربه من المحارم، ويحدثهن ويحدثنه، ويبتسم ويضحك، وربما ترتفع أصواتهن فلا يضجر، ومن أقواله صلى الله عليه وسلم «رفقا بالقوارير» ، وقوله كذلك: «النساء شقائق الرجال» .
لا بل انه الذي يقول عليه الصلاة والسلام وهو يوصي الرجال بمعاونة النساء والحنو عليهنّ: «إن الرجل اذا أسقى امرأته من الماء له أجر» ، وهو القائل كذلك في آخر كلمات قالها وهو في خطبة الوداع: «استوصوا بالنساء خيرا» ، وكان صلى الله عليه وسلم دائم التبسم والضحك مع زوجاته، وكان مرحا دائما معهن يميل الى الدعابة، وكان يدخل بيته مسلّما باشّاً هاشّاً وقال لأنس: « يا بُني إذا دخلت على أهلك فسلّم، يكن سلامك بركة عليك وعلى أهل بيتك» .
محمد: ومهما مدح المادحون ومهما قال فيه الشعراء والفصحاء والبلغاء من بيان حسن شمائله وعظيم فضائله، فإنهم لن يبلغوا عظيم الوصف، وصفه به ربه سبحانه لما قال فيه: {وإنك لعلى خُلُقٍ عظيم} ، والذي قال فيه: { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} ، وهو الذي قال كذلك عن نفسه صلى الله عليه وسلم: «أدبني ربي فأحسن تأديبي» ، فأنت أيها الحبيب المصطفى دعوة أبيك ابراهيم، وأنت كذلك بشارة أخيك عيسى عليه السلام.