قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: ( وليس في ذكر كون المسألة قطعية طعن على من خالفها من المجتهدين كسائر المسائل التي اختلف فيها السلف، وقد تيقنا صحة أحد القولين مثل كون الحامل المتوفى عنها زوجها تعتد لوضع الحمل، وأن الجماع المجرد عن الإنزال يوجب الغسل، وأن ربا الفضل حرام، والمتعة حرام ) .5
16.يجوز بيان الحق وترجيح الصواب وإن خالف اجتهاد الآخرين:
لكل من المختلفين أن يذكر ما يراه حقًا، وينشر ما يراه صوابًا، ويرجح ما يراه الراجح، وله أن يبين أن قول معارضه مرجوح؛ لأن كتمان العلم لا يجوز، وعلى كل مجتهد أن يذكر ما يعتقد أنه الحق، وإن خالف من خالف من الأئمة والعلماء والأقران .
وقد خالف ابن عمر وابن عباس وغيرهما، عمر بن الخطاب، وأبا بكر الصديق -رضي الله عنهم- في متعة الحج، وأفتيا بخلافهما، هذا مع كمال الموالاة للصديق والفاروق .
وكان كل إمام وعالم يفتي بما يراه الصواب وإن خالف غيره، وقد قال الإمام مالك: ( ما منا إلا رد ورد عليه إلا صاحب هذا القبر ) يعني النبي -صلى الله عليه وسلم-.
17.لا يجوز حمل الناس على الرأي الاجتهادي:
لا يجوز لعالم مجتهد ، ولا لإمام عام أن يحمل الناس على رأيه واجتهاده .
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- عمن ولي أمرًا من أمور المسلمين، ومذهبُه لا يُجوِّز شركة الأبدان، فهل يجوز له منع الناس؟
فأجاب: (ليس له منع الناس من مثل ذلك، ولا من نظائره مما يسوغ فيه الاجتهاد، وليس معه بالمنع نص من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، ولا ما هو في معنى ذلك، لا سيما وأكثر العلماء على جواز مثل ذلك، وهو مما يعمل به عامة المسلمين في عامة الأمصار . وهذا كما أن الحاكم ليس له أن ينقض حكم غيره في مثل هذه المسائل، ولا للعالم والمفتي أن يلزم الناس باتباعه في مثل هذه المسائل، ولهذا لما استشار الرشيد مالكًا أن يحمل الناس على موطئه في مثل هذه المسائل منعه من ذلك. وقال: إن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تفرقوا في الأمصار، وقد أخذ كل قوم من العلم ما بلغهم. وصنف رجل كتابًا في الاختلاف، فقال أحمد: لا تسمِّه كتاب الاختلاف، ولكن سمه كتاب السعة . ولهذا كان بعض العلماء يقول: إجماعهم حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة، وكان عمر بن عبد العزيز يقول: ما يسرني أن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يختلفوا؛ لأنهم إذا اجتمعوا على قول فخالفهم رجل كان ضالًا، وإذا اختلفوا فأخذ رجل بقول هذا، ورجل بقول هذا كان في الأمر سعة، وكذلك قال غير مالك من الأئمة: ليس للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه.
ولهذا قال العلماء المصنفون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أصحاب الشافعي رحمه الله وغيره: إن مثل هذه المسائل الاجتهادية لا تنكر باليد، وليس لأحد أن يلزم الناس باتباعه فيها، ولكن يتكلم فيها بالحجج العلمية، فمن تبين له صحة أحد القولين تبعه، ومن قلد أهل القول الآخر فلا إنكار عليه، ونظائر هذه المسائل كثيرة: مثل تنازع الناس في بيع الباقلا الأخضر في قشريه، وفي بيع المقاثي جملة واحدة، وبيع المعطاة والسلم الحال، واستعمال الماء الكثير بعد وقوع النجاسة فيه إذا لم تغيره، والتوضؤ من ذلك، والقراءة بالبسملة سرًا أو جهرًا، وترك ذلك، وتنجيس بول ما يؤكل لحمه وروثه، أو القول بطهارة ذلك، وبيع الأعيان الغائبة بالصفة، وترك ذلك، والتيمم بضربة أو ضربتين إلى الكوعين، أو المرفقين، والتيمم لكل صلاة أو لوقت كل صلاة، أو الاكتفاء بتيمم واحد، وقبول شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض، أو المنع من قبول شهادتهم . ومن هذا الباب الشركة بالعروض، وشركة الوجوه، والمساقاة على جميع أنواع الشجر والمزارعة على الأرض البيضاء، فإن هذه المسائل من جنس الأبدان بل المانعون من هذه المشاركات أكثر من المانعين من مشاركة الأبدان، ومع هذا فما زال المسلمون من عهد نبيهم وإلى اليوم في جميع الأعصار والأمصار يتعاملون بالمزارعة والمساقات، ولم ينكره عليهم أحد، ولو منع الناس مثل هذه المعاملات لتعطل كثير من مصالحهم التي لا يتم دينهم ولا دنياهم إلا بها. ولهذا كان أبو حنيفة -رحمه الله- يفتي بأن المزارعة لا تجوز، ثم يفرع على القول بجوازها، ويقول: (إن الناس لا يأخذون بقولي في المنع، ولهذا صار صاحباه إلى القول بجوازها، كما اختار ذلك من اختار من أصحاب الشافعي وغيره ) .6
فهذه بعض الآداب التي ينبغي مراعاتها عند الخلاف، وإذا تأدب بها المسلمون علماء وطلاب علم وعامة زال كثير مما يحصل بينهم من شحناء وتباغض وتحاسد وتقاطع؛ بسبب إعجاب كل ذي رأي برأيه.
نسأل الله العلي الكبير أن يمن علينا بأخلاق حسنة وآداب عالية، يرفع بها درجاتنا في جناته جنات النعيم..
والحمد لله رب العالمين أولًا وآخرًا.
1-الموضوع منقول من (القواعد الذهبية في أدب الخلاف) للشيخ عبد الرحمن عبد الخالق.. بتصرف كبير.
2-رواه أبو داود في سننه، وحسنه الألباني في السلسلة (273) .
3-مجموع الفتاوى (19/123) .
4-سير أعلام النبلاء (14/40) .
5-الآداب الشرعية (1/186) .
6-الفتاوى الكبرى 79/30-81