وبعد إدراة الفكر والمشورة لم يجدوا سبيلاً إلا أن يأتوا إلى عمه أبي طالب، علّهم أن يطلبوا منه كف ابن أخيه عنهم فيستجيب لهم، أو يجدوا عنده مخرجاً مما هم فيه، وقد رأوا أن يلبسوا طلبهم ودعواهم تلك لباس الجد والحقيقة ويقولوا: إن الدعوة إلى ترك آلتهم، والقول بعدم نفعها وقدرتها سبة قبيحة، وإهانة شديدة لها. وفيه تسفيه وتضليل لآبائهم الذين كانوا على هذا الدين, ثم ارتأوا أن يضربوا على وتر الشراكة في المصالح, والاتحاد في الوجهات، فهم على خلاف مع هذا الدين كما أن أبا طالب على خلاف معه.
قال ابن إسحاق: مشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب فقالوا: يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا، وسفه أحلامنا، وضلل آباءنا فإما أن تكفه عنا، وإما أن تخلي بيننا وبينه، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه، فنكفيكه. فقال لهم أبو طالب قولاً رقيقاً، وردهم رداً جميلاً فانصرفوا عنه، ومضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ما هو عليه يظهر دين الله ويدعوا إليه.3
وخلال هذه الأيام أهم قريشاً أمراً آخر، وهو أن الجهر بالدعوة لم يمض عليه إلا أشهر معدودة حتى قرب موسم الحج، وعرفت قريش أن وفود العرب ستقدم عليهم، فرأت أنه لا بد من كلمة يقولونها للعرب في شأن محمد - صلى الله عليه وسلم - حتى لا يكون لدعوته أثر وصدى في نفوس العرب، فلابد من شن حرب إعلامية هدفها إغلاق أكبر قدر ممكن من الآذان التي يمكن أن تسمع للدين الجديد. فاجتمعت قريش إلى الوليد بن المغيرة يتداولون في أمر تلك الكلمة فقال لهم الوليد: اجمعوا فيه رأياً واحداً ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضاً، قالوا: أنت فقل. قال: بل أنتم فقولوا أسمع. قالوا: نقول كاهن. قال: لا والله ما هو بكاهن لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه. قالوا فنقول: مجنون. قالوا: ما هو بمجنون لقد رأينا الجنون وعرفناه- ماهو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته. قالوا: فنقول شاعر. قال: ما هو بشاعر لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهجزه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه، فماهو بالشعر قالوا فنقول: ساحر. قال: ما هو بساحر، لقد رأينا السحار وسحرهم، فما هو بنفثهم ولا عقدهم، قالوا: فما نقول؟ قال: والله إن لقوله لحلاوة، وأن أصله لعذق، وإن فرعه لجنة، وما أنتم بقائلين من هذا شيئاً إلا عرف أنه باطل، وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا: ساحر. جاء بقول هو سحر يفرق بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته فتفرقوا عنه بذلك.4
وتفيد بعض الروايات أن الوليد لما رد عليهم كل ما عرضوا له قالوا: أرنا رأياً لا غضاضة فيه فقال لهم: أمهلوني حتى أفكر في ذلك، فظلّ الوليد يفكر ويفكر حتى أبد لهم رأيه الذي ذكر آنفاً فأنزل الله فيه ست عشرة آية من سورة المدثر ، خلالها صور كيف فكر وقدر، قال تعالى: (إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ( ) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ( ) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ( ) ثُمَّ نَظَرَ ( ) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ( ) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ ( ) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ ( ) إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ ( ) .. الآيات).
ٍ وبعد اتفاق مجلسهم الأعلى على هذا القرار أخذوا في تنفيذه فجلسوا بسبل الناس حين قدموا الموسم، لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه وذكروا لهم أمره. وتولى أبو لهب كبر ذلك فقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتبع الناس إذا وافى الموسم في منازلهم وفي عكاظ ومجنة وذي المجاز يدعوهم إلى الله وأبو لهب وراءه يقول: لا تطيعوه فإنه صابئ كذاب... إلا أن السحر انقلب على الساحر وباء سعي أبي لهب بالخسران وصدرت العرب من ذلك الموسم بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وانتشر ذكره في بلاد العرب كلها.
واستمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - يدعو إلى الله في كل مكان ووقت لا يفتر أبداً، وقريش تفكر في أمره مرة وأخرى حتى تلخصت أساليبهم لقمع هذه الدعوة فيما يلي:-
1.السخرية والتحقير، والاستهزاء والتكذيب والضحك،يقصدون بذلك تخذيل المسلمين، وتوهين قواهم المعنوية، فرموا النبي - صلى الله عليه وسلم - بتهم ساقطة، وشتائم سفيهة، فكانوا ينادونه بالجنون. (( وَقَالُواْ يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ) ) (الحجر6) ويصمونه بالسحر والكذب (( وَعَجِبُوا أَن جَاءهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ) ) ( ص-4) وكانوا يشعيونه ويستقبلونه بنظرات ملتهبة ناقمة، وعواطف هائجة (( وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ ) ) (القلم51) وكان إذا جلس وحوله المستضعفون من أصحابه استهزؤوا بهم وقالوا: هؤلاء جلساؤه (( مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا ) ) (الأنعام53) فقال تعالى جواباً عليهم: (( أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ) ) (الأنعام53) .