فهرس الكتاب

الصفحة 4866 من 9994

وملك الغيظ قريشًا ولبسهم الحرج، بعد أن أفلتت منهم الفرصة التي خططوا لها: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) ، وما كان الله ليذرهم وما يخططون، بل لقد اختار الله توقيتهم وتخطيطهم، ليحبط به وفيه سعيهم وتدبيرهم، ليخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى دار أمن ومنعة، فاحتاروا كيف يتربصون بهذا المجتمع الذي اخترق سلطانهم على العرب، وأصبح مناوئًا لكلمتهم في قبائل الجزيرة، ذلك السلطان الذي دانت لهم به العرب منذ عام الفيل، الذي أهلك الله فيه جيش الحبشة والفيل، بما أرسل عليهم من طير (وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ* تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ* فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ) ؛ إذ ظن العرب أن الله منع بيته المحرم، إكرامًا لقريش، وما فعله الله -سبحانه- إلا إكرامًا لنبيه الذي أوشك نور ميلاده أن يشرق، وليصطنعه الله على عينه ليطهِّر البيت من الأوثان والأنداد لعبادة الله وحده.

إذن القتال

ولم يكن بدّ أن تقع وقائع بين الكفر المعاند المكابر، وبين أهل الإيمان (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ) ، فلم يمض عام أو بعض عام حتى كانت هناك سرايا أخرجها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعدما أذن للمؤمنين بأن يواجهوا القتال بالقتال: (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ* أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ* الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)

لقد ظلم المؤمنون؛ إذ خرجوا من ديارهم بأعز ما يملك المرء وما يحمل؛ قلب مؤمن بالله ثابت على الحق، يطلب النجاة بدينه، ويترك المال والنشب، بل ترك كثير منهم الأهل والولد، ولحقوا بدار منعة اعتزازًا بالله وإيمانًا به، فضّلوه على لعاعة الدنيا رغبة في وجهه -سبحانه-، فعوّضهم بنصره وما أفاء عليهم.

روى ابن جرير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: لما أُخرج النبي -صلى الله عليه وسلم- من مكة؛ قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم؟! إنا لله وإنا إليه راجعون!! ليهلُكُن.. قال ابن عباس: فأنزل الله -عز وجل-: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) قال أبو بكر -رضي الله عنه-: فعرفت أنه سيكون قتال، وزاد أحمد: وهي أول آية نزلت في القتال.

تدبير الله

وواجهت بعض السرايا التي أخرجها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- التحامًا بالسلاح، وعاد غيرها دون أن يلقوا قتالاً، حتى كانت وقعة بدر: التي قدَّر المؤمنون الذي خرجوا إليها: أن يعودوا بعِير قريش، عوضًا عن أموالهم بمكة التي استحلتها قريش، وقدَّر الله تعالى أن تكون لقاء بين قلة مؤمنة -محدودة العتاد والعدة- وإيمانها يملأ الصدور عزة بالله، وكفرًا بالشيطان وحزبه، وبين الكثرة التي خرجت من مكة بطرًا ورئاء الناس، ويصدون عن سبيل الله: (وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ) نعم: لقاء يحق الله به الحق ويبطل الباطل، ليذهب نصر القلة المؤمنة على الكثرة الكافرة المزهوة بخيلائها؛ حيث خرجت بالقيان تضرب دفوفها ليسمع العرب، ويسقوا الخمر نشوة وكبرًا واستعلاء، فيذهب نصر القلة المؤمنة على الكثرة المستكبرة. في أنحاء الجزيرة يرجُّ آفاقها؛ إيذانا بزوال دولة الكفر والاستعلاء على الله الواحد الأحد، بالأنداد والأوثان، التي لم تغن عنهم شيئًا.

حروب وحروب

إن الحروب كانت تقوم -وما تزال حتى الآن إلا من عصم الله- دائمًا بين طائفتين؛ طائفة مستعلية مستكبرة، تزهوا بالعتاد والعدة والعدد؛ ومستضعفة لا تملك ما تملك الأولى، وعدوان المستعلين هدفه إذلال المستضعفين ومحو عزتهم بأنفسهم، يتخذونهم تبعًا وأداة يصطنعونها لحاجاتهم وحرثهم، ونماء أموالهم وملكهم، بطرًا واستكبارًا في الأرض.

وهذا ما كانت تفعله فارس والروم في آسيا وإفريقيا وأطراف من أوروبا، وهو نفس ما كانت تفعله قبائل العرب في الجاهلية بعضها مع بعض، فيعود المنتصر بالسبي والسلب، ويعود المهزوم بذلّ الحياة وعار الهزيمة والأمهات والبنات سبايا، يا له من ذل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت