فهرس الكتاب

الصفحة 484 من 9994

وإن الإنسان ليخاف أن تصيبه اللعنة جزاء رؤيته وسماعه المنكر ثم لا ينهى عنه، وهذا والله خطر كبير، وشر مستطير، فالله -سبحانه- قد أخبر عن ثلاث طوائف من الناس أحداها: سمعت ورأت المنكر ولم تعمل به، ولكنها سكتت عنه، والثانية نهت عن ذلك. والثالثة فعلت المنكر، فأخبر الله أنه أنجى التي أمرت بالمعروف ونهت عن المنكر، وأهلك التي عملت المنكر، وسكت عن الثالثة ولذلك اختلف العلماء فيها هل هلكت مع من هلك، أم نجت مع من نجا؟ والصحيح أنها ناجية من العذاب مع كونها آثمة بتركها النهي عن المنكر، قال الله -تعالى-: {واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ( ) وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ( ) فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ } 9.

والعجب كل العجب أننا نجد البعض يدعو إلى فعل المنكر وترك المعروف، جهارًا نهارًا، ومحاربة لله ورسوله، فيأمر بسماع الأغاني، والاختلاط بين الرجال والنساء، وتحرير المرأة من الحياء!!! ومحاربة سنة المصطفى وغير ذلك، مما تولى كبره هذه الأيام كثير من المنافقين، لا كثرهم الله؛ قال -تعالى-: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ 10 } .

هذه صفتهم، وأما صفة المؤمنين فإنها الأمر بالمعروف والفرح به، والنهي عن المنكر والحزن والاكتئاب لرؤيته؛ كما في قوله -تعالى-: { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } 11.

قال الغزالي: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين، وهو المهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين، ولو طوى بساطه وأهمل عمله؛ لتعطلت النبوة واضمحلت الديانة، وعمت الفترة، وفشت الضلالة، وشاعت الجهالة، واستشرى الفساد، وقد كان الذي خفنا أن يكون، فإنا لله وإنا إليه راجعون، إذ قد اندرس من هذا القطب عمله وعلمه، وانمحق بالكلية حقيقته ورسمه، فاستولت على القلوب مداهنة الخلق، وانمحت عنها مراقبة الخالق، واسترسل الناس في اتباع الهوى والشهوات استرسال البهائم، وعزّ على بساط الأرض مؤمن صادق لا تأخذه في الله لومة لائم، فمن سعى في تلافي هذه الفترة، وسد هذه الثلمة، إما متكلفًا بعملها، أو متقلدًا لتنفيذها، مجددًا لهذه السنة الداثرة، ناهضًا بأعبائها، ومتشمرًا في إحيائها؛ كان مستأثرًا من بين الخلق بإحياء سنة أفضى الزمان إلى إماتتها، ومستبدًا بقربة تتضاءل درجات القرب دون ذروتها 12.

نسأل الله أن يهدينا إلى كل خير وأن يجنبنا سبل الضلالة والغواية، رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين..

الخطبة الثانية:

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، والصلاة والسلام على محمد بن عبد الله ومن والاه وتولاه إلى يوم الدين.

أما بعد.

لقد أوجب الله -عز وجل- على من ولاهم ولاية كبرت أو صغرت، أن يقوموا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ { الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ } 13.

وأما بعض من ولاهم الله الولايات في زمننا هذا فإنهم على العكس من ذلك، فهم يأمرون بالمنكر ويشجعونه ويدعمونه، وينهون عن المعروف ويحاربونه، ويحاربون من قام به، إلا من رحم الله.

وقد ثبت عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يقول:"من رأى منكم منكرًا (في بيته، أو في طريقه، أو في سوقه، أو في عمله، أو في مكتبه، أو في أي مكان) فليغيره بيده (وهذا واجب الولاة ومن كان له سلطة كالآباء والأمهات) فإن لم يستطع فبلسانه (وهذا واجب العلماء وطلبة العلم والوعاظ والدعاة وغيرهم) فإن لم يستطع فبقلبه (وهذا واجب كل مسلم أمام كل منكر لا يقدر على تغييره) وذلك أضعف الإيمان"14.

وعن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي، إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون مالا يفعلون، ويفعلون مالا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل"15.

أيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر: اعلموا"من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ينبغي أن يكون عليمًا بما يأمر به، عليمًا بما ينهى عنه، رفيقًا فيما يأمر به، رفيقًا فيما ينهى عنه، حليمًا فيما يأمر به، حليمًا فيما ينهى عنه، فالعلم قبل الأمر والرفق مع الأمر، والحلم بعد الأمر فإن لم يكن عالمًا لم يكن له أن يقفو ما ليس له به علم وإن كان عالمًا ولم يكن رفيقًا كان كالطبيب الذي لا رفق فيه فيغلظ على المريض فلا يقبل منه وكالمؤدب الغليظ الذي لا يقبل منه الولد وقد قال تعالى لموسى وهارون: { فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى } سورة طه 44 . ثم إذا أمر ونهى فلا بد أن يؤذى في العادة فعليه أن يصبر ويحلم كما قال تعالى: { وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ } سورة لقمان 1716"

أيها المسلون: واعلموا علم اليقين أنما أصابنا من الذل والهوان، والخزي والعار والانحطاط، إنما هو بسبب بعدنا عن كتاب ربنا وسنة نبينا، وتخلينا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال -تعالى-: { وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ} 17.

أسأل الله لي ولكم التوفيق والهداية، ونعوذ به من الخذلان والغواية. اللهم وفقنا لما تحبه وترضاه، وجنبنا ما تسخطه وتأباه. اللهم وفقنا للقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يا سميع الدعاء. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

1 -سورة لقمان (6) .

2 -سورة الإسراء (64) .

3 -سورة المدثر (42- 44) .

4 -سورة التوبة (5) .

5 -سورة مريم (59- 60) .

6 -سورة الماعون (4-5) .

7 -سورة آل عمران (110) .

8 -سورة المائدة (79- 78) .

9 -سورة الأعراف (164- 165) .

10 -سورة التوبة (67) .

11 -سورة التوبة (71) .

12 -إحياء علوم الدين (2/333) ط: دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان.

13 -سورة الحج (41) .

14 -روى مسلم في صحيحه وأحمد في مسنده .

15 -رواه مسلم.

16 -مجموع الفتاوى 5/253-254.

17 -سورة الشورى (30) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت