وينبغي على الإنسان المسلم إذا وقعت هفوة أو زلة أن يستر على نفسه ويتوبَ بينه وبين الله عز وجل، ولا يستحَبُّ له رفع أمره إلى القاضي ولا يكشف شأنه لأحدٍ كائنًا ما كان إلا من مثل الأمثلة التي تقدمت في الاستفتاء والاستنصاح.
الستر لأجل أن لا تشيع الفاحشة، ولأجل أن لا يعمَّ ذكرها في المجتمع، ولأجل أن تُكبت أخبارها؛ لأن نشر أخبارها يجذب إليها ولذلك فإن من الآثمين إثمًا عظيمًا الذين ينشرون أخبار الخنى والفجور والخلاعة والمجون والحفلات المختلطة والغناء ونحو ذلك على الملأ؛ لأنهم يريدون إشاعةَ الفاحشة في المجتمع المسلم، (( اجتنبوا هذه القاذورات، فمن ألمّ فليستتر بستر الله وليتب إلى الله، فإن من يُبدي لنا صفحته نُقم عليه كتاب الله ) )حديث صحيح رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي وغيره.
أيها المسلمون، إن النبي لما جاءه الرجل يقول: أصبتُ حدًا فأقمه عليّ، والمعصية حَصَلت خفية، إن النبي أعرض عنه. فيه إرشاد إلى عدم استحباب طلب إقامة الحد، وأنّ من وقع في شيء تكفيه التوبة فيما بينه وبين الله عز وجل.
اللهم إنا نسألك أن تتوبَ علينا، وأن ترحمنا، وأن تغفر لنا، وأن تسترنا بسترك الجميل في الدنيا والآخرة، وأن تصفح عنا الصفح الجزيل.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، أشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين، وأشهد أن محمدًا رسول الله البشير النذير والسراج المنير والنبي الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى أزواجه وذريته الطيبين الطاهرين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
عباد الله، إن مما ينبغي حفظه ما يحصل بين الزوجين وتفاصيل ما يقع حالَ الجماع وقبله من مقدّماته، إلى غير ذلك من الأسرار البيتية، قال النبي: (( إنّ من أشر الناس عند الله منزلةً يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه، ثم ينشر سرَّها ) )، وقال عليه الصلاة والسلام وقد أقبلَ على صفّ الرجال بعد الصلاة: (( هل منكم إذا أتى على أهله أرخى بابه وأرخى ستره ثم يخرج فيحدث فيقول: فعلت بأهلي كذا، وفعلت بأهلي كذا؟ ) )فسكتوا، فأقبل على النساء، فقال: (( هل منكن من تحدِّث؟ ) )فقالت فتاة منهن: والله إنهم ليحدِّثون، وإنهن ليحدِّثن، فقال: (( هل تدرون ما مثل من فعل ذلك؟! إن مثل من فعل ذلك مثل شيطان وشيطانة لقي أحدهما صاحبه بالسكة ـ أي: في وسط الطريق ـ فقضى حاجته منها والناس ينظرون ) )الحديث الأول أخرجه مسلم، والثاني أخرجه أحمد وهو حديث حسن.
عباد الله، إن الله يحبّ الستر ويكره الكلام بالكلام الفاحش، وإن مما يقع بين الرجل وامرأته مع أنه في الحلال، لكنه لأنه خنى فإنه لا يتحدَّث به، لا يتحدَّث بأيّ شيء يثير الشهوات، حتى مجرَّد ذكر الوقاع أنه قد حصل دون تفصيل، إذا لم يكن له حاجة كرهه العلماء، وعدُّوه من خوارم المروءة، حتى مجرّد أن يخبر أنه قد حصل بينه وبين أهله شيء لغير مصلحة شرعية، إنه مكروه لأنه من خوارم المروءة.
عباد الله، إن الطبيب وغيره ممن يطّلع على بعض أسرار الناس لا يحلّ له أن يفشي ذلك إلا إذا كانت هناك مضرّة على المسلمين، فإنه يبلّغ بها حتى لا تقع المضرة على المسلمين، وقال العلماء: إن الإنسانَ إذا اطلع على شيء فيه ضرر على أحد بلّغه بالحذر العام، ولا يتكلّم عن الشخص إذا كان ذلك كافيًا، فيقول له: انتبه واحذر وهناك من يريد إيقاع الشر بك ونحو ذلك، فإذا لم يكن كفّ الشر ممكنًا إلا بالإبلاغ عن هذا الشخص وجب الإبلاغ عنه، ويجب الإبلاغ عن كل من يحدث شيئًا فيه ضرر على المسلمين، فالذين يعملون أوكار الفجور والدعارة وتوزيع المخدرات ونحو ذلك يجب الإبلاغ عن هؤلاء وعدم الستر عليهم؛ لأن في ذلك مصلحة المجتمع المسلم.
عباد الله، انظروا فيما حولكم من الناس، كيف صارت المجاهرة بالمعاصي شيئًا عاديًا، إن كلّ من يعلِّق صورةً مخرمة تعليقًا يظهر للناس، أو يلصق على سيارته عبارةً بذيئة وهو يعلم معناها، أو يشرب شيئًا من المحرّمات شفطًا وأخذًا لدخانه وسحبًا أو من السوائل التي يدخلها إلى جوفه أمام الناس فهو مجاهرٌ بالمعصية، فلا تستغربنّ إذا رأيتَ من أهل الخير من مرَّ بمدخِّن فلم يسلِّم عليه، ثم مرَّ به وهو لا يدخّن فسلم عليه؛ لأن ذلك من فِقه معاملة من يجاهر.