فهرس الكتاب

الصفحة 4794 من 9994

قوله: {ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق} يعني كمثل الراعي الذي ينادي. قوله: {بما لا يسمع إلا دعاءً ونداءً} وهم البهائم؛ فهؤلاء مثلهم كمثل إنسان يدعو بهائم لا تسمع إلا صوتاً ولا تفهم دعاءً، ولا نداءً؛ و"الدعاء"إذا كان يدعو شيئاً معيناً باسمه؛ و"النداء"يكون للعموم؛ وهناك بهائم يسميها الإنسان باسمها بحيث إذا ناداها بهذا الاسم أقبلت إليه؛ والنداء العام لجميع البهائم هذا لا يختص به واحدة دون أخرى؛ فتقبل الإبل جميعاً؛ لكن مع ذلك لا تقبل على أساس أنها تعقل، وتفهم، وتهتدي؛ ربما يناديها لأجل أن ينحرها؛ هؤلاء الكفار مثلهم - في كونهم يتبعون آباءهم بدون أن يفهموا هذه الحال التي عليها آباؤهم - كمثل هذا الناعق بالماشية التي لا تسمع إلا دعاءً، ونداءً. قوله: {صم} جمع أصم؛ وهو الذي لا يسمع؛ و {بكم} جمع أبكم؛ وهو الذي لا ينطق؛ و {عمي} جمع أعمى؛ وهو الذي لا يبصر؛ أي فهم صم عن سماع الحق؛ ولكن سماع غيره لا فائدة منه؛ فهو كالعدم؛ وهم بُكم لا ينطقون بالحق؛ ونطقهم بغير الحق كالعدم؛ لعدم نفعه؛ وهم كذلك عُمي لا يبصرون الحق؛ وإبصارهم غير الحق لا ينتفعون به. قوله: {فهم لا يعقلون} أي لكونهم صماً بكماً عمياً فهم لا يعقلون عقل رشد -وإن كان عندهم عقل إدراك -؛ فلعدم انتفاعهم بعقولهم نفى الله عنهم العقل؛ ورتب الله انتفاء العقل عنهم على كونهم صماً بكماً عمياً؛ لأن هذه الحواس وسيلة العقل والإدراك.

فوائد الآيات:

1.إظهار منة الله على عباده، حيث أباح لهم جميع ما في الأرض من حلال طيب؛ لقوله: {يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً} .

2.أن الأصل فيما في الأرض الحل والطيب حتى يتبين أنه حرام.

3.أنه يجب على العاقل أن يأخذ حذره من الشيطان، ومن نزغاته، ومن طرقه وسبله، فإنه عدو مبين، وقد أبان الله عداواته، وحذر من اتباع خطواته؛ لقوله: {ولا تتبعوا خطوات الشيطان} . وقال تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} سورة فاطر (6) .

4.أن الإنسان إذا وقع في قلبه همّ بالسيئة أو الفاحشة فليعلم أنها من أوامر الشيطان، فليستعذ بالله منه؛ لقوله تعالى: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} سورة الأعراف (200) .

5.أن القول على الله بلا علم من أوامر الشيطان؛ لقوله: {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} .

6.تحريم الفتوى بلا علم؛ فإن المفتي يقول على الله، ويعبر عن شرع الله؛ وقد جاء ذلك صريحاً في قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} سورة الأعراف ( 33) .

7.ذم التقليد وقبحه والمنع منه؛ والبحث فيه يطول، ومن أراد الاستيفاء فليراجع:"القول المفيد في حكم التقليد"وأدب الطلب ومنتهى الأرب"للشوكاني."

8.أن من تعصب لمذهب مع مخالفة الدليل ففيه شبه من هؤلاء؛ والواجب أن الإنسان إذا قيل له:"اتبع ما أنزل الله"أن يقول:"سمعنا وأطعنا".

9.أن كل من خالف الحق، وما أنزل الله فليس بعاقل، وليس عنده هدًى؛ لقوله تعالى: {لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون} .

10.أن هؤلاء في اتباع آبائهم مثل البهائم التي تستجيب للناعق وهي لا تسمع إلا صوتاً ولا تفهم دعاءً، ولا نداءً؛ لا تسمع شيئاً تعقله، وتعرف فائدته، ومضرة مخالفته2. والله أعلى وأعلم.

1 -راجع فتح القدير (3/589) .

2-راجع:"جامع البيان في تأويل القرآن"لمحمد بن جرير الطبري (2/101- 110) . ط: درا الإعلام + دار ابن حزم. الطبعة الأولى (1423هـ - 2002م) . و"الجامع لأحكام القرآن"للقرطبي (2/207- 215) . الطبعة الثانية."تفسير القرآن العظيم"للحافظ ابن كثير (1/190- 191) . ط: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع (1424هـ- 2004م) . و"فتح القدير"للشوكاني (1/258- 261) . المكتبة التجارية. مصطفى أحمد الباز. مكة المكرمة. الطبعة الثانية. و"تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان"لابن سعدي (1/130- 133) . طبع ونشر وتوزيع دار المدني بجدة. (148هـ) . و"أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير"لأبي بكر الجزائري (1/144- 145) . الطبعة الأولى الخاصة بالمؤلف (1414هـ) . و"تفسير ابن عثيمين"المجلد الثاني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت