فهرس الكتاب

الصفحة 4775 من 9994

قوله: {ذلك بأن الله نزل الكتاب} المشار إليه ما ذكر من جزائهم؛ أي ذلك الجزاء الذي يجازون به؛ {بأن} الباء هنا للسببية؛ والرابط هنا بين السبب، والمسبَّب واضح جداً؛ لأنه ما دام الكتاب نازلاً بالحق فمن اللائق بهذا الكتاب المنزل بالحق أن لا يُكتم؛ الحق يجب أن يبين؛ فلما أخفاه هؤلاء استحقوا هذا العذاب؛ ومعنى: {نزل الكتاب بالحق} أن ما نزل به حق، وأنه نازل من عند الله حقاً؛ و {الكتاب} المراد به الجنس: القرآن، والتوراة، والإنجيل، وغيرها من الكتب التي أنزلها الله.

قوله: {وإن الذين اختلفوا في الكتاب} أي اختلفوا في الكتاب الذي نزله الله -عز وجل- بحق؛ وهذا الاختلاف يشمل الاختلاف في أصله: فمنهم من آمن؛ ومنهم من كفر، والاختلافَ فيما بينهم أي فيما بين أحد الطرفين: فمنهم من استقام في تأويله؛ ومنهم من حرف في تأويله على غير مراد الله-سبحانه وتعالى-. قوله: {لفي شقاق بعيد} أي لفي جانب بعيد عن الحق.

فائدة:

قوله تعالى: {فما أصبرهم على النار} ؛"ما"تعجبية مبتدأ؛ وجملة {أصبرهم} خبرها وهذا التعجب يتوجه عليه سؤالان:

السؤال الأول: أهو تعجب من الله أم تعجيب منه؛ بمعنى: أيرشدنا إلى أن نتعجب - وليس هو موصوفاً بالعجب؛ أو أنه من الله -؟

السؤال الثاني: أن قوله: { فما أصبرهم } يقتضي أنهم يصبرون، ويتحملون مع أنهم لا يتحملون، ولا يطيقون؛ ولهذا يقولون لخزنة جهنم: {ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب} سورة غافر (49) ؛ وينادون: {يا مالك ليقض علينا ربك} سورة الزخرف (77) أي ليهلكنا؛ ومن قال هكذا فليس بصابر؟

والجواب عن السؤال الأول:- وهو أهو تعجب، أو تعجيب-: فقد اختلف فيه المفسرون؛ فمنهم من رأى أنه تعجب من الله عز وجل؛ لأنه المتكلم به هو الله؛ والكلام ينسب إلى من تكلم به؛ ولا مانع من ذلك لا عقلاً، ولا سمعاً - أي لا مانع يمنع من أن الله سبحانه وتعالى يعجب؛ وقد ثبت لله العجب بالكتاب، والسنة؛ فقال الله -تعالى- في القرآن: {بل عجبتُ ويسخرون} سورة الصافات (12) بضم التاء؛ وهذه القراءة سبعية ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ والتاء فاعل يعود على الله -سبحانه وتعالى- المتكلم؛ وأما السنة ففي الحديث الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (عجب ربنا من قنوط عباده وقرب غِيَرِه) 1؛ وعلى هذا فالعجب لله ثابت بالكتاب، والسنة؛ فلا مانع من أن الله يعجب من صبرهم؛ فإذا قال قائل: العجب يدل على أن المتعجب مباغَت بما تعجب منه؛ وهذا يستلزم أن لا يكون عالماً بالأمر من قبل - وهو محال على الله -؟

فالجواب: أن هذا اللازم من قياس صفات البشر على صفات الخالق لأن التعجب بسبب المباغتة يكون في حقهم، وقياس صفات الخالق على صفات الخلق من جهل بالخالق.

وأيضاً فإن التعجب لا يختص بما ذكر؛ بل ربما يكون سببه الإنكار على الفاعل، حيث خرج عن نظائره، كما تقول: «عجبت من قوم جحدوا بآيات الله مع بيانها، وظهورها» ؛ وهو بهذا المعنى قريب من معنى التوبيخ، واللوم؛ ومن المفسرين من قال: إن المراد بالعجب: التعجيب؛ كأنه قال: أعجب أيها المخاطب من صبرهم على النار؛ وهذا وإن كان له وجه لكنه خلاف ظاهر الآية.

وأما الجواب عن السؤال الثاني:- وهو كيف يتعجب من صبرهم مع أنهم لم يصبروا على النار - فقال أهل العلم: إنهم لما صبروا على ما كان سبباً لها من كتمان العلم صاروا كأنهم صبروا عليها، مثلما يقال للرجل الذي يفعل أشياء ينتقد فيها: ما أصبرك على لوم الناس لك مع أنه ربما لم يلوموه أصلاً؛ لكن فعل ما يقتضي اللوم؛ يصير معنى: {ما أصبرهم على النار} أنهم لما كانوا يفعلون هذه الأفعال الموجبة للنار صاروا كأنهم يصبرون على النار؛ لأن الجزاء من جنس العمل، كما تفيده الآيات الكثيرة، فيعبر بالعمل عن الجزاء؛ لأنه سببه المترتب عليه؛ و {النار} هي الدار التي أعدها الله -سبحانه وتعالى- للكافرين والظالمين؛ لكن الظلم إن كان ظلم الكفر فهم مخلدون فيها؛ وإن كان ظلماً دون الكفر فإنهم مستحقون للعذاب بحسب حالهم.

بعض فوائد الآيات:

1.أن يوم القيامة يُزَكى فيه الإنسان؛ وذلك بالثناء القولي والفعلي؛ فإن الله يقول لعبده المؤمن حين يقرره بذنوبه: (سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم) 2. وأما الفعلي فإن علامة الثناء أنه يعطى كتابه بيمينه، ويَشهد الناسُ كلهم على أنه من المؤمنين؛ وهذه تزكية بلا شك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت