فهرس الكتاب

الصفحة 4764 من 9994

ثم لماذا قص الله عز وجل علينا قصة أصحاب الأخدود بهذه الطريقة التي انتهت إليها؟ إنها حادثة مؤلمة جدا، أن يَحْفُرَ الكفار حفراً في الأرض، ثم يؤججوا فيها النيران، ثم يلقوا فيها أناساً أبرياء لا ذنب لهم سوى الإيمان وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ [البروج:7] . ولحكمة فإن الله عز وجل لم يذكر في نهاية القصة أنه عاقب أولئك المجرمين أو انتقم منهم كما أخذ قوم نوح وهود وصالح وشعيبٍ وقومَ لوط، أو كما أخذ فرعون وجنودَه أخذ عزيز مقتدر.

وعند المقارنة الدنيوية وإغفال عالم الآخرة، يكون هؤلاء المجرمون هم المنصورون، وأولئك المؤمنون هم الخاسرون.

لكن الله عز وجل أخبرنا في هذه الحادثة بهذه النهاية المؤلمة، ليُعْلِمنا وليكشف لنا عن حقيقة أخرى، وهي أن الحياة الدنيا بما فيها من لذائذ وآلام، ومتاع وحرمان، ليست هي القيمة الكبرى في الميزان، وليست هي السلعة التي تقرر حساب الربح والخسارة، ولكن القيمة الكبرى في ميزان الله عز وجل هي قيمة العقيدة، والسلعة الرائجة في سوق الله تعالى هي سلعة الإيمان، وأن النصر في أرفع صوره هو انتصارُ العقيدة على الألم، وانتصارُ الإيمان على الشرك والكفر، ولم يعد مجال المعركة الأرض وحدها، ولا الحياة الدنيا وحدها، وشهود المعركة ليسوا هم الناس الذين شهدوها في وقتها، بل إن الملأ الأعلى يشارك في أحداث الأرض ويشهدها ويشهد عليها وَمَا وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَاواتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلّ شَىْء شَهِيدٌ [البروج:8، 9] ، فالله عز وجل شهيد على هذه الحادثة، وهكذا اتصلت حياة المؤمنين في الأرض بالحياة الباقية الخالدة في الملأ الأعلى، واتصلت الدنيا بالآخرة، ولم تعد الأرض وحدها هي مجال المعركة بين الخير والشر، ولم تعد الدنيا هي خاتمة المطاف، ولا موعد الفصل في هذا الصراع.

لقد انفسح المجال في المكان والزمان، والقيم والموازين، واتسعت آفاق النفس المؤمنة، وكبرت اهتماماتها، فصغرت الأرض وما عليها، والحياة الدنيا وما يتعلق بها، وكبر المؤمن بمقدار ما معه من إيمان غيبي، وأخبر عن العقاب الأخروي لهؤلاء المجرمين فقال: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُواْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ [البروج:10] .

أما أولئك الذين صبروا، وأحرقتهم تلكم النار في هذه الدنيا، فيقول الله عز وجل في شأنهم: إِنَّ الَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ [البروج:11] ، هذا هو الميزان، ذلك الفوز الكبير. هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى لو أجرينا ـ إخواني ـ مقارنة بين الكفر والإسلام، لوجدنا أن دين الله قديماً وحديثاً هو الغالب، وهو المسيطر مدة أطول من سيطرة الكفار، فهل تعلم أخي أن الناس بعد آدم عليه الصلاة والسلام بقوا مدة عشرة قرون على التوحيد والإسلام؟!. وهل تعلم أن هذه الأمة المحمدية المباركة بقيت حاكمة منذ بعثة نبيها إلى زمن سقوط الخلافة العثمانية سنة 1924، أكثر من ثلاثة عشر قرناً من الزمان وهي أمة ظافرة منتصرة، بيدها تدبير كثير من أمور الدنيا حتى الأمم الكافرة، وهذه هي التي طالما تغنى بها كثير من شعراء المسلمين عندما قالوا:

ملكنا هذه الدنيا قرونا وأخضعها جدودٌ خالدونا

وسطَّرنا صحائف من ضياء فما نسي الزمان ولا نسينا

حمَلناها سيوفا لامعاتٍ غداةُ الروع تأبى أن تلينا

إذا خرجت من الأغماد يوما رأيت الهول والفتح المبينا

وكنا حين يأخذنا ولي بطغيان ندوس له الجبينا

وكنا حين يرمينا أناس نؤدبهم أُباةً صابرين

وما فتئ الزمان يدور حتى مضى بالمجد قوم آخرون

وأصبح لا يُرى في الركب قومي وقد عاشوا أئمته سنينا

إذاً أكثرَ من ألفٍ وثلاثمائةِ عام والأمة الإسلامية أمة عظيمة يرهبها الشرق والغرب، ولعله يكفي مثالا واحدا فقط قصة هارون الرشيد عندما قال وهو يخاطب سحابة: (أمطري حيث شئتِ فسيأتي إليَّ خراجك) هذا ما كان في الماضي.

وما سيطر الكفار إلا بعد سقوط الخلافة العثمانية، يعني منذ سبع وسبعين سنة، فكيف تقارن أخي سبعاً وسبعين سنة أو مائة سنة سيطرت فيها حضارات زائفة مادية منحرفة، وتنسى ثلاثة عشر قرناً كان المسيطر فيها هو دين الله، وشرع الله، وتوحيد الله؟!!.

أما عن مستقبل هذه الأمة فقد أخبرنا النبي عن المعركة الفاصلة مع اليهود على نهر الأردن كما حددها عندما قال: (( أنتم شرقيه، وهم غربيه ) )حتى يقول الشجر والحجر يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي ورائي فتعال فاقتله.

ومن دلائل نصر هذه الأمة في آخر الزمان، نزول عيسى بن مريم على المنارة البيضاء شرقي دمشق وتجمع المسلمين عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت