إن مواريث العرب والجاهلية قبل الإسلام احتقرت المرأة وازدرتها، بل لعلها رأت أنها شرٌ لابد منه، وفي أمم التقدم المعاصر أسلفَّت بها في شهواتها إلى مدىً منحطٍ. وإذا كانت مواريث الجاهلية قد جعلت المرأة في قفص الاتهام ومظاهر الاستصغار، فإن مسلك التقدم المعاصر قد جعلها مصيدةً لكل الآثام، ولكنَّ هدي محمد أعطى كل ذي حق حقه، وحفظ لكلٍّ نصيبه: لّلرّجَالِ نَصِيبٌ مّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنّسَاء نَصِيبٌ مّمَّا اكْتَسَبْنَ [النساء:32] . في مسلك وسط، ومنهجٍ عدلٍ، فالنساء شقائق الرجال: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ [البقرة:228] ، فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنّى لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ [آل عمران:195] ، مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حياةً طَيّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [النحل:97] . وفي التوجيه النبوي: (( فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فُرُشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرِّح، ولهنَّ عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف ) ) [4] . إن إصلاح عوج المرأة راجع إلى زوجها؛ ليمنع العوج والنشوز، وليعيد الاستقرار إلى جوانب البيت في معالجة داخلية.
الله أكبر لا إله إلا الله، والله اكبر الله أكبر ولله الحمد.
وثمة وقفةٌ نبويةٌ - أيها الإخوة - في هذا المشهد التوديعي العظيم. إنها قضية وحدة الأمة، وقضية الخلاف المذموم. يوقف فيها الرسول أمته على أمر حاسم، وموقف جازم: (( وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده- إن اعتصمتم به- كتاب الله ) ) [5] .
(( لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض ) ) [6] متفق عليه من حديث جرير. (( ألا إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون، ولكن في التحريش بينهم ) ) [7] رواه مسلم والترمذي واللفظ له.
إنه تحذير مبكر من الرؤوفٍ الرحيم بالمؤمنين من فناءٍ ذريع، إذا هي استسلمت للخلاف، واسترسلت في الغفلة عن سنن الله، والجهل بما يحيكه الشيطان وإخوان الشيطان من مؤامرات.
إنها وصايا أودعها النبي ضمائر الناس. لا تتضمن قضايا فلسفية ولا نظريات خيالية. مبادئ بسطها النبي الكريم المبلغ البليغ في كلماتٍ سهلة سائغة، وإنها على وجازتها أهدى وأجدى من مواثيق عالمية طنانةٍ لا واقع لها. ذلك أن قائلها وواضعها محمداً كان عامر الفؤاد بحب الناس، والحرص عليهم والرأفة بهم. شديد التأكيد على ربطهم بالله وسننه وإعدادهم للقائه.
وإذا كان الإسلام في العهد النبوي قد دفن النعرات الجاهلية، والعصبيات الدموية، والشيطان قد يئس أن يُعبد في ذلك العهد، لكننا نخشى تجدد آماله في هذه العصور المتأخرة. تتجدد آماله في الفرقة والتمزيق. فالعالم الإسلامي اليوم تتوزعه عشراتُ القوميات، وتمشي جماهيره تحت عشرات الرايات، وهي قوميات ذات توجهات مقيتة. ما جلبت لأهلها إلا الذل والصغار، والفرقة والتمزق.
الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد، حجاج بيت الله، أمة الإسلام: ما أحوج الأمة اليوم إلى مثل هذه الدروس النبوية، أما تتكرر الروح التي سادت حجة الوداع، لكي تتشبع هذه الكثرة العددية للمسلمين اليوم بكثافةٍ نوعيةٍ، وطاقات روحيةٍ؟ أما يحج المسلمون ليشهدوا منافع لهم تمحو فرقتهم، وتسوي صفوفهم، وترد مهابتهم؟!
إن الحج العظيم في معناه الكبير يكون فيه الشيطان وأعوانه أصغر وأحقر. فيغيظ أعداء الله ويرجعون خاسئين، ناكصين على أعقابهم مذمومين مدحورين، يغيظ الكفار حين يرون جموع هذه الأمة، وقد استسلمت لربها، وأطاعت نبيها، واجتمعت كلمتها.
فياأيها الناس: (( اعبدوا ربكم ـ كما أوصى نبيكم ـ وأقيموا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا ولاة أمركم، تدخلوا جنة ربكم ) ) [8] .
وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
[1] عُبِّيَّة الجاهلية: الكبر والفخر والنخوة.
[2] صحيح، سنن الترمذي: كتاب تفسير القرآن - باب سورة الحجرات، حديث (3270) ، سنن أبي داود: كتاب الأدب - باب في التفاخر بالأحساب، حديث (5116) ، وأخرجه أيضاً أحمد (5/411) ، والطبراني في الكبير (16) ، وصححه ابن حبان (3828) ، وحسّن أحد أسانيده المنذري في الترغيب (3/376) ، وصححه الألباني، السلسلة الصحيحة (2700) .
[3] صحيح، أخرجه مسلم: كتاب الحج - باب حجة النبي ، حديث (1218) .
[4] صحيح، أخرجه مسلم في الموضع السابق.
[5] صحيح، أخرجه مسلم في الموضع السابق.