فهرس الكتاب

الصفحة 4677 من 9994

إن العالم الغربي يعيش أزمة حقيقية حيال هذه القيمة التي ضخمت وضخمت حتى غدت ديناً جديداً يعبد فيها صاحبها هواه من دون الله، ولم تعد للقيم الإنسانية والمفاهيم البشرية ما يكافئها وما يدانيها، وما أزمتنا التي نعيشها اليوم معهم حيال ما وقع وجرى لنبينا -صلى الله عليه وسلم- إلا أنموذج لتضخم هذه القيمة عندهم حتى يوشك أن يتلفهم ويهلكهم وقد فعل. لقد اعتذروا لنا عن الاعتذار بدعوى حرية التعبير، وصار السب والاستهزاء حقاً مكفولاً ترعاه الحكومات والدول الغربية تحت هذا البند (حرية التعبير) ، وصار معتنقو هذا المبدأ ـ وهم كثرة كاثرة ـ مشاريع سب وشتيمة وإن لم يمارسوه؛ إذ هم يبيحونه ويجوِّزونه وكفى بها جريمة، ومن رضي بما وقع كمن فعل وقال. لقد أظهروا تضامنهم وتآزرهم لضمان حقهم في حرية التعبير بإعادة نشر الصور هنا وهناك، وليذهب المسلمون إلى الجحيم! وأعلنوا لنا مراراً أنهم غير مستعدين للتنازل عن حقهم المزعوم هذا لأي كان، بل قال رئيس الوزراء الدانماركي: (القضية تتركز على حرية التعبير في الغرب مقابل المحرمات في الاسلام) ، وهكذا يريدون إقناعنا بقيمة حرية التعبير عندهم، وأنه لا محل للتفاوض حولها، ولا مجال للأخذ والعطاء، ثم يأتي الليبراليون ويريدون إقناعنا باعتذارهم السخيف هذا، فيقولون فيه: اعتذار (حقيقي) و (صحيح) (1) ! بل وتجاوزوا هذا ليؤكدوا على قداسة حرية التعبير وعدم تقبل فكرة التدخل في الصحافة على أي وجه وأي صورة (2) ، حتى إنهم طعنوا في مواقف بعض الكفار الإيجابية من الأزمة واتهموهم بالانتهازية وأن الواجب عليهم (التأكيد على مبادئ حرية التعبير واحترام القانون) (3) ! وأن ما يُرى من تهويل المسلمين لما وقع في جناب النبي -صلى الله عليه وسلم- عائد إلى عدم ممارستهم هذه الحرية جرَّاء ما يعانونه من قمع وكبت، ولو أنهم ذاقوا طعمها لما قاموا ولما تحركوا، فسحقاً لهم ولحريتهم المزعومة هذه، وهكذا يكون انتصار الليبراليين لقضايانا وإلا فلا! وبهذه المواقف يؤكد الليبراليون انسلاخهم عن الأمة فكراً ومنهجاً وسلوكاً.

ومع ما تقدم فمن العجيب أن فقاعة (حرية التعبير) هذه لا تلبث أن تتوارى خجلاً إن مُسّ جناب اليهود، أو طُعن في السامية، أو شُكك في محرقة (الهولكست) ، ليعلم الجميع أن الحضارة الغربية حضارة ازدواجية، حضارة الكيل بمكيالين، لا أخلاق ولا قيم تقوم عليها، ولا مبادئ تستمر عليها، إنما القيمة المقدسة الوحيدة عندهم ـ على الحقيقة ـ المصلحة ليس إلا؛ فأينما كانت المصلحة فثمّ دينهم وشرعهم، وإن داسوا في سبيل تحصيلها الأديانَ والمبادئ والقيم.

وانظر إليهم ـ اليوم ـ كيف يتواصون بحرية التعبير ويتنادون بها، ثم يستنفرون العالم للضغط على الشعوب المسلمة لوقف ثورة الغضب وإنهاء حالة المقاطعة، وكأن حق التعبير حق خاص بهم فقط، وأن الشعوب المسلمة حقها الكبت والحرمان.

إن ما يجري على الساحة من منازعة ومخاصمة حول حرية التعبير وحدوده قد كشف عن سوءة العالم الغربي والحضارة الغربية، وإن ما يُرى من التهارج حول حرية التعبير لمحرج جداً لليبراليي الداخل، الذين أفنوا أعمارهم في التغني بالقيم الغربية، والحضارة الغربية، ثم تفجؤهم اللطمة بعد اللطمة لعلهم يتنبهون، ومن غفوتهم يستيقظون، وعلى دينهم يُقبلون، فيطلعوا على زيف القيم، وهشاشة الحضارة، حضارة الغرب التي لا روح فيها ولا خُلُق، حضارة اللاّدين التي لا تعرف معروفاً ولا تنكر منكراً إلا ما أُشرب من هواها، فيتوقفوا عن التوريد، ويقاطعوا تلكم الأفكار، ويكشفوا الزيف، ويفضحوا الباطل، فيكفّروا عما تقدّم من خطايا عسى أن يُغفر لهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت