قال الله: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِي يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) اهجر مكان المعصية، وأطِلْ الصمت، وأَدْمِن السُّكوت، ولا تخُض مع الخائضين، وقف على أحوال التائبين، وإذا رأيت العصاة فلا تشمخ بأنفك، واحمد ربك، ودُلَّهم على ما أنت فيه، وقل: (كَذَلِكَ كُنْتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا) ففي ذلك ذكرى للمؤمنين. هاهو [أبو لبابة] -رضي الله عنه وأرضاه- لما أرسله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى بني قريظة، وقد أجهدهم الحصار، وقد غدروا برسول الله -صلى الله عليه وسلم- ونقضوا العهد، فقام إليه الرجال والنساء والأطفال يبكون، فرقَّ لهم، فقالوا: أننزل على حكم محمد؟ -صلى الله وسلم على نبينا محمد- قال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه إنه الذبح، يقول فوالذي لا إله إلا هو ما زالت قدماي من مكانها حتى علمت أني خنت الله ورسوله، ورجع نادمًا أسيفًا، عظَّم الله -عز وجل- لم يرجع إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وإنما رجع فارتبط بجذع في المسجد، لا يُطلق منه إلا ليصلي، ثم يعود إلى ذلك الجذع، يتلمس عفو الله، ولطف الله، ورحمة الله، وتوبة الله، حتى إذا ما نزلت توبته، أَبْشِرْ بخير يوم مرَّ عليك يا أبا لبابة؛ لقد تِيبَ عليك. خرَّ ساجدًا لله -عز وجل- ثم قام إليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأطلقه، فقال -وهو يرسم منهج لهجر المعصية، ومكان المعصية، وبيئة المعصية- قال: يا رسول الله -والذي لا إله إلا هو- ما وطئت قدمايَ أرض بني قريظة ما حييت، والله لا أُرَى في بلد خنت الله ورسوله فيه أبدًا.
بادر قبل أن تُبَادر، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، قال الله: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) لما راجع عمر -رضي الله عنه- رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم الحديبية، فقال: ألست نبي الله حقًّا؟ أو لسنا المؤمنين؟ أو لسنا على الحق وهم على الباطل؛ فعلام نعطي الدَّنيَّة في ديننا، ولمَّا يحكم الله بيننا؟ فقال -صلى الله عليه وسلم-: إني رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري. وقال أبو بكر: الزم غرزك يا ابن الخطاب، فوالذي نفسي بيده إنه لعلى الحق. يقول عمر: فعملت لذلك أعمالا يقول: ما زلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق؛ مخافة مراجعتي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم الحديبية. بادر ولا تعجز إذا فرطت منك سيئة أن تتبعها حسنة، واذكر مسير العمر ما أسرعه!، وارقب هجوم الموت ما أفظعه!. وبادر قبل أن تبادر. دع المحدثات والبدع فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:"إن الله حجب التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته"صحَّحه [الألباني] -رحمه الله- في صحيح الترغيب والترهيب. تدري أخي أين طريق الجنة؟ طريقها القرآن، ثم السُّنة.
وخير أمور الدين ما كان سُنَّة *** وشر الأمور المحدثاتُ البدائع.