الموت بالحرق،وذات الجنب- هي ورم حار يعرض في الغشاء المستبطن للأضلاع - وفي ذلك أحاديث، منها: عن جابر بن عتيك مرفوعًا: (الشُّهَدَاءُ سَبْعَةٌ سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ، وَالْغَرِقُ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ، وَالْمَبْطُونُ شَهِيدٌ، وَالْحَرِقُ شَهِيدٌ، وَالَّذِي يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدْمِ شَهِيدٌ، وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ شَهِيدٌ) (13) .
الموت بداء السل: لقوله-صلى الله عليه وسلم-: (الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ شَهَادَةٌ، وَالنُّفَسَاءُ شَهَادَةٌ ، وَالْحَرِقُ شَهَادَةٌ ، وَالْغَرِقُ شَهَادَةٌ ، والسِّلُّ شَهَادَةٌ ، وَالبطنُ شَهَادَةٌ) (14) .
الموت في سبيل الدفاع عن المال المراد غصبه، لقوله-صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ) (15) . وفي رواية للإمام أحمد: (مَنْ أُرِيدَ مَالُهُ بِغَيْرِ حَقٍّ فَقَاتَلَ فَقُتِلَ فَهُوَ شَهِيدٌ) (16) .
الموت في سبيل الدفاع عن الدين والنفس؛ لقوله-صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ) (17) .
الموت مرابطًا في سبيل الله: لقوله-صلى الله عليه وسلم-: (رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ وَأَمِنَ الْفَتَّانَ) (18) .
الموت على عمل صالح: لقوله-صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ خُتِمَ لَهُ بِهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ صَامَ يَوْمًا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ خُتِمَ لَهُ بِهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ خُتِمَ لَهُ بِهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) (19) .
أيها المسلمون: إن هذه العلامات هي من البشائر الحسنة التي تدل على حسن الخاتمة، ولكننا مع ذلك لا نجزم لشخص ما بعينه أنه من أهل الجنة إلا من شهد له النبي-صلى الله عليه وسلم- بالجنة كالخلفاء الأربعة .. نسأل الله تعالى أن يرزقنا حسن الخاتمة، وأن يرزقنا الجنة، وأن يبيّض وجوهنا يوم تسود وجوه وتبيض وجوه.
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم وبما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
الخطبة الثانية:
الحمدُ لله معزِّ من أطاعه واتقاه، ومذِلِّ من خالف أمره وعصاه، أحمده ربّي وأشكره على ما أسبغ من نعَمِه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، لا إلهَ ولا ربَّ سواه، وأشهد أنَّ نبيَّنا وسيّدنا محمّدًا عبده ورسوله اصطفاه مولاه، اللّهمّ صلّ وسلِّم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه ومن والاه.أما بعد:
عباد الله: إن آخر ساعة في حياة الإنسان هي الملخص لما كانت عليه حياته كلها، فمن كان مقيمًا على طاعة الله-عز وجل-بدا ذلك عليه في آخر حياته ذكرًا، وتسبيحًا، وتهليلًا، وعبادة، وشهادة.
فتعالوا بنا-أيها الأحبة في الله-: ننظر كيف كانت ساعة الاحتضار على سلفنا الصالح-رضوان الله عليهم-الذين عاشوا على طاعة الله، وماتوا على ذكر الله، يأملون في فضل الله ويرجون رحمة الله، مع ما كانوا عليه من الخير والصلاح.
فهذا عبد الله بن جحش-رضي الله عنه-عندما خرج لمعركة أحد دعا الله-عز وجل-قائلًا:"يا رب إذا لقيت العدو فلقني رجلًا شديدًا بأسه، شديدًا حرده فأقاتله فيك، ويقاتلني، ثم يأخذني ويجدع أنفي وأذني، فإذا لقيتك غدًا، قلت يا عبد الله من جدع أنفك وأذنك، فأقول: فيك وفي رسولك، فتقول صدقت. وبعد المعركة رآه بعض الصحابة مجدوع الأنف والأذن كما دعا."
وهذا عمير بن الحمام عندما خطب رسول الله في أصحابه حاثًا لهم على الاستشهاد في سبيل الله في معركة بدر قال: (قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض) .فسمع عمير بن الحُمام هذا الفضل العظيم، وقال: والله يا رسول الله! إني أرجو أن أكون من أهلها. فقال: (فإنك من أهلها) .فأخرج عمير تمرات من جعبته ليأكلها ويتقوى بها، فما كادت تصل إلى فمه حتى رماها وقال: إنها لحياة طويلة إن أنا حييت حتى آكل تمراتي، فقاتل المشركين حتى قتل.
ولما احتضر عمر بن عبد العزيز-رحمه الله- قال لمن حوله: أخرجوا عني فلا يبق أحد. فخرجوا فقعدوا على الباب فسمعوه يقول: مرحبًا بهذه الوجوه، ليست بوجوه إنس ولا جان، ثم قال: تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوًا في الأرض ولا فسادًا والعافية للمتقين، ثم قُبض-رحمه الله-.
عباد الله: هذه بعض صور لحسن الخاتمة لسلفنا الصالح، فماذا عن زماننا أيها الأحبة في الله، ما من زمان إلا وفيه أناس صالحون، وعباد زاهدون، فماذا عن هؤلاء في آخر حياتهم تعالوا بنا نذكر بعضًا من هذه الأمثلة.
يروى أن أحد الصالحين حدث له حادث سير وبينما هو في سكرات الموت إذا به يقرأ القرآن ثم يختم بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله. فيا لله ما أحسنها من خاتمة. وهاهو رجل آخر يموت وهو صائم لله رب العالمين، وثالث يموت في سبيل الله، وآخر وهو ساجد لله رب العالمين، وهكذا لا يزال زماننا ملئ بالصالحين والخيرين.
أيها المسلمون: إن حسن الخاتمة لها أسباب، لمن أراد أن يوفقه الله لحسن الخاتمة، وإن من أسباب حسن الخاتمة النية الصالحة، والإخلاص لله؛ لأن النية والإخلاص شرطان للأعمال المقبولة.
ومن أسباب الخاتمة الحسنة المحافظة على الصلوات جماعة، فعن أبي موسى-رضي الله تعالى عنه-قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: (من صلّى البردَين دخل الجنة) (20) . والبردان: هما الفجر والعصر، ومن داوم عليهما وصلاَّهما فهو بالقِيامِ بِغيرهما من الصّلوات أولى.
ومن أسباب التوفيق لحسن الخاتمة الإيمان والإصلاح، الإصلاح للنفس، والإصلاح للغير، كما قال-تعالى-: {فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون} الأنعام:48.
ومنها تقوى الله في السر والعلن، بامتثال أمره واجتناب نهيه والدوام على ذلك، كما قال-تعالى-: {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًا فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} القصص:83، وقال-تعالى-: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} طه:132.
ومِنها اجتناب الكبائر وعظائم الذنوب، قال الله-تبارك وتعالى-: {إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا} النساء:31.
ومنها لزوم هدي النبي-صلى الله عليه وسلم-، واتباع طريق المهاجرين والأنصار والتابعين لهم-رضي الله تعالى عنهم-، قال الله-تعالى-: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} الأحزاب:21، وقال-تعالى-: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} التوبة:100.