1ـ لقد استطاع نفر من الناس بعمل يسيرٍ مواجهة أزمة دامت ثلاث سنوات خطط لها أصحابها وأحكموا تنفيذها ودعموا استمراريتها بكامل قواهم السياسية والاجتماعية. نعم لقد استطاعوا تخطي هذا المأزق الصعب وهم نفر قليل كانوا يعيشون وسط المجتمع نفسه، وذلك بالعزيمة القوية والتخطيط الدقيق؛ إذ لم يكن أحد من كبار القوم ومن أصحاب تلك المؤامرة الخبيثة يحلم بأنه سيأتي اليوم الذي تنتهي فيه هذه المؤامرة بمثل هذه السرعة وبمثل هذه المفاجأة؛ فقد وضعوا في حسابهم أنه لا يمكن لأحد أن يقف في وجه هذه القوة التي تحمي هذا القرار، وإن استطاع أن يقف في وجوههم فإنه لا يستطيع أن ينتهك قداسة القرار الذي علق في جوف الكعبة، ولكنهم نسوا أن الظلم مرتعه وخيم، وأن الحق يعلو ولا يُعلى عليه. واليوم وبفعل الهزيمة النفسية التي أصابت المسلمين فإنه يقع مثل هذا الحصار من الدول الظالمة ولا يقوم أحد برد الظلم وتمزيق الصحيفة والانسحاب من القرار؛ بل لا يفكر الكثير من المسلمين حتى في مجرد المحاولة؛ لا أقول بالعنف ولكن بالحوار والحل السلمي وهو الأسلوب الذي ينادون به حينما تكون القضية في صالحهم؛ فأين الذين يفكرون في قضايا إخوانهم المسلمين ويتفاعلون مع همومهم ويدركون معنى قول الله ـ تعالى ـ: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } الحجرات:10.
2.إن الحكمة وحسن التخطيط من أساسيات الدعوة إلى الله ـ تعالى ـ وكم نحن في حاجة إليه؛ لأن العشوائية وارتجال المواقف والتكبر عن طلب النصح والمشورة قد جنت الدعوة من ويلاتها العلقم المر حتى أصبح التخطيط والتنظيم ضرورة دعوية على مختلف المستويات لا يكاد يختلف عليها اثنان ممن يعرفون طبيعة الدعوة ومخططات أعدائها؛ وخصوصاً في مثل هذا العصر المشحون بالفتن والمغريات، ومع ذلك فإن هناك ـ للأسف الشديد ـ من لا يكتفي بعدم القناعة بهذا؛ بل يشكك فيه ويحاربه .
3 .لا شك أن موقف أهل الباطل من الدعوة ليس بدرجة واحدة؛ بل يتفاوت تفاوتاً بيراً، وكذلك ينبغي أن يكون موقف أهل الحق منهم؛ لأن منهم من يتعاطف مع الدعوة ويقف بجانبها حتى وإن كان مقيماً على فسقه وفجوره، ومنهم من يكرهها ويحقد على أهلها بكل حال ـ وإن كانوا مظلومين ـ استكباراً منه وعدواناً، ومنهم أناس بين ذلك {ولِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا ومَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} الأنعام: 132 وفي قصة الشِّعب نجد لعمِّ النبي صلى الله عليه وسلم أبي طالب مواقف تستحق الذكر والإشادة وإن كان كافراً؛ ففي بداية الأمر كان هو الذي (جمع بني عبد المطلب فأجمع لهم أمرهم على أن يُدخِلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه شعبهم، ويمنعوه ممن أراده، وذلك حينما أجمع المشركون من قريش على أن يقتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم علانية، فاجتمع بنو المطلب كافرهم ومسلمهم؛ منهم من فعله حمية وهم الكفار، ومنهم من فعله إيماناً ويقيناً وهم المسلمون؛ فلما عرفت قريش أن القوم قد اجتمعوا ومنعوا الرسول صلى الله عليه وسلم اجتمع المشركون من قريش وأجمعوا أمرهم على ما في الصحيفة) كما كان في ليالي الشِّعب (يأخذ أحد بنيه أو إخوانه أو بني عمه فيضطجع على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم ويأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي بعض فرشهم فيرقد عليها حرصاً عليه ممن يريد به مكراً أو غائلة) .
4-إن رد الجميل لأصحابه ومكافأة المحسنين على إحسانهم خُلُق رفيع حث عليه الإسلام؛ وفي هذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"من أتى إليكم معروفاً فكافئوه" (صحيح الجامع) . وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم مقدراً لأصحاب المواقف مواقفهم الإيجابية في هذا الحدث الهام، وكان يكافئهم عليها. فأما عمه أبو طالب فقد قال العباس بن عبد المطلب ـ رضي الله عنه ـ للنبي صلى الله عليه وسلم: ما أغنيتَ عن عمك؛ فوالله كان يحوطك ويغضب لك؟ قال:"هو في ضحضاح من نار؛ ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار" ( رواه البخاري) . وأما هشام بن عمرو فقد أسلم وأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم من غنائم معركة حنين دون المائة من الإبل (سيرة بن هشام ) . وأما أبو البختري فقد كان في صف المشركين يوم بدر فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتله، قال ابن هشام: (وإنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل أبي البختري؛ لأنه كان أكف القوم عن الرسول صلى الله عليه وسلم وهو بمكة وكان لا يؤذيه ولا يبلغه عنه شيء يكرهه، وكان ممن قام في نقض الصحيفة) (سيرة بن هشام )
5.ينبغي ألا يعرض عن أهل الباطل بالكلية؛ فإن منهم أناساً مأسورين إما بشهواتهم وأهوائهم أو بتأثير من شياطين الجن والإنس، وبعض هؤلاء قد لا يحتاجون إلى كبير جهد ليميزوا بين الحق والباطل فيتبعون الحق ويعز الله بهم الدين. والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين