وأما إذا كانت القراءة في مكان هادئ ونظيف، وهناك من يسمع وينصت لمن يقرأ فلا بأس بذلك، بل هو فعل حسن، وذلك لأنه ربما قرأ القاري الآيات التي فيها الدعوة إلى المحافظة على الصلوات، فيتأثر التارك للصلاة والمتهاون بها فيحافظ عليها، وربما قرأ الآيات المحذرة من الربا، فيتأثر المتعامل بالربا فيترك التعامل بالربا، وربما قرأ الآيات التي فيها الدعوة إلى العفة والحياء، فيتأثر فمن كان فيه نوع من قلة العفة و الحياء، فيعف نفسه، ويستحي من خالقه وبني جنسه.
6-غض البصر:
إن الله - تعالى- قد جعل العين مرآة القلب، فإذا غض العبد بصره، غضّ القلب شهوته وإرادته، وإذا أطلق العبد بصره، أطلق القلب شهوته وإرادته، فقد أخرج البخاري في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إن الله - عز وجل - كتب على ابن آدم حظه من الزنى أدرك ذلك لا محالة، فالعين تزني وزناها النظر، واللسان يزني وزناه النطق، والرجل تزني وزناها الخطى، واليد تزني وزناها البطش، والقلب يهوي ويتمنى، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه"فبدأ بزنا العين، لأنه أصل زنا اليد والرجل والقلب والفرج.
قال الله تعالى: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُو نَ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} سورة النور (30) (31) ومن المعلوم أن السوق من أحب الأماكن لشياطين الأنس والجن، وبالتالي فلابد للإنسان من غض بصره عن النظر إلى ما حرم الله، والتحصن عند دخوله السوق بالأذكار الشرعية، ولإن النساء في زمننا هذا أكثرنا من الخروج من بيوتهن وولوجهن إلى الأسواق، وعلقت صور النساء على مداخلا لأسواق، والأماكن العامة، فيجب غض البصر، وكف الأذى.
7-الوفاء بالعهود والعقود:
لقد حث الإسلام على الوفاء بالعهود والعقود ، وحذر من التقصير فيهما، قال الله - تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ} سورة المائدة1. وقال تعالى: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} سورة النحل (91) .
وذلك لأن الخيانة والغدر، وعدم الوفاء بالعهود والعقود، مما يفقد الثقة بين الناس، فيحصل من الشر ما لا يعلمه إلا الله.
ولشدة عناية الإسلام بالعقود والعهود، أوجب الأشهاد على ذلك، حفاظًا على أموال الناس، وكما قال تعالى: {وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ} سورة البقرة (282) .
8-الصدق والبيان وعدم الكتمان لعيب السلعة:
لقد جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك من أسباب البركة، كما في حديث حكيم بن حزام - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، أو قال: حتى يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما"رواه البخاري ومسلم.
وأثنى على التاجر الصدوق في بيعه وشرائه، فعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء"رواه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: حديث حسن، ورواه الدارقطني بزيادة"يوم القيامة".
وذم التاجر الكاذب الفاجر، فعن عبيد بن رفاعة عن أبيه عن جده، أنه خرج مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المصلي فرأى الناس يتبايعون فقال:"يا معشر التجار!"فاستجابوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورفعوا أعناقهم، وأبصارهم إليه، فقال:"إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارًا إلا من اتقى الله وبر وصدق"أخرجه الترمذي وابن ماجه.
9-إيفاء المكيال والميزان والحذر من بخسهما:
أثنى الله على الموفين لهما، فقال: {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} سورة الإسراء (35) .
وتوعد المطففين بالعذاب المهين، فقال تعالى: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} سورة المطففين (1- 6) .
وقد عدّ العلماء ذلك من كبائر الذنوب.
10-منع بيع كل مبيعات محرمة:
كآلات اللهو المحرم، والخمر، والصور ذات الأرواح، والأشرطة الماجنة، والأفلام الخليعة، وأوراق اليانصيب، ويدخل في ذلك منع الدجالين والمشعوذين من الجلوس على مداخل الأسواق لإفساد عقيدة الناس، والنصب والاحتيال لأخذ أموال الناس بالباطل.
11-الحذر عن بيع كل ما فيه خصومة كالأدوات المسروقة والمغصوبة:
قال الله - تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} سورة النساء (29) . فالإسلام طيب، فلا يحب من الكسب إلا الطيب.
12-يجب على التجار تعلم كل ما يخص تجارتهم من أحكام فقهية:
قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه: لا بيع في سوقنا إلا من تفقه في الدين.
وهذا ما يؤكد عليه العلماء عند تقسيم العلوم الشرعية إلى علم يجب تعلمه، ويمثلون لذلك بتعلم المسلم أحكام الطهارة، والصلاة، وعلم يجب تعلمه على كل من تخصص فيه، فالتاجر يجب عليه تعلم أحكام البيع والشراء، وهكذا.
13-السماحة في البيع والشراء:
عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"رحم الله عبدًا سمحًا إذا باع، سمحًا إذا اشترى سمحًا إذا اقتضى"رواه البخاري.
14-عدم خروج النساء إلى الأسواق إلا لضرورة:
إن على النساء التحلي بخلق الحياء والحشمة، وأن يتقين الله - تعالى- في كل وقت وفي كل مكان، وليجلعن هذا الحديث نصب أعينهن فعن أبي هريرة - رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"صنفان من أهل النار لم أرهما، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا"رواه البخاري.
وعلى المرأة أن لا تكون خراجة ولاجة، بل عليها القرار في بيتها، والإعتناء بتربية أبنائها، والمحافظة على صلاتها، وطاعة زوجها، وصوم شهرها، وحفظ لسانها إلا من خير، فإذا فعلت ذلك دخلت الجنة - بإذن ربها-.
ولكن إذا كان لديك أيتها المرأة حاجة ضرورية إلى السوق، وليس هناك من يقوم بها غيرك، فلا بأس أن تخرجي، مع التزامك بالآداب الشرعية، ومنها ارتداء الحجاب الشرعي الساتر لجميع الجسم، والبعد عن الخلوة بالرجال، وغيرها من الآداب.
وعلى الرجال كذلك تقوى الله، وعدم مضايقة النساء ومزاحمتهن في الأسواق، والالتزام بآداب وأخلاق المسلمين.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وأله وصحبه وسلم.
[1] - انظر جمرة اللغة بن دريد باب السين والقاف، مادة سقو 5/43. ط: مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدر إياد- الطبعة الأولى. ولسان العرب لابن منظور فصل السين- حرف القاف- مادة سوق. ومعجم مقاييس اللغة لابن فارس مادة سوق 3/117 نشر دار إحياء التراث العربية..
[2] - فتح الباري لابن حجر 5/246. ط: مصطفى الحلبي وأولاده سنة 1378هـ.