قوله: { وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ } أي واذكروا يا بني إسرائيل إذ قلنا ادخلوا هذه القرية. و { ادْخُلُوا } أمر كوني وشرعي؛ لأنهم أُمروا بأن يدخلوها سجداً وهذا أمر شرعي؛ ثم فُتحت، فدخلوها بالأمر الكوني. وقد اختلف المفسرون في تعيين هذه القرية؛ ولعلَّ الصواب أن المراد بها: بيت المقدس؛ لأن موسى قال لهم: {ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ} سورة المائدة (21) . قوله: { فَكُلُوا مِنْهَا } أمر إباحة وإرشاد وامتنان، فقد أبحنا لكم أن تأكلوا منها { حَيْثُ شِئْتُمْ } أي في أي مكان كنتم من البلد في وسطها، أو أطرافها تأكلون ما تشاءون {رغداً} أي طمأنينة، وهنيئاً لا أحد يعارضكم في ذلك، ولا يمانعكم. قوله: { وَادْخُلُوا الْبَابَ } أي باب القرية؛ لأن القرى يجعل لها أبواب تحميها من الداخل والخارج {سجداً} منصوب على أنه حال من الواو في قوله -تعالى-: {ادخلوا} أي ساجدين. والمعنى: إذا دخلتم فاسجدوا شكراً لله. قوله: {وقولوا حطة} أي قولوا هذه الكلمة {حطة} أي احطط عنا ذنوبنا، وأوزارنا. والمراد: اطلبوا المغفرة من الله -سبحانه وتعالى- إذا دخلتم وسجدتم. قوله: {نغفر لكم خطاياكم} "المغفرة"هي ستر الذنب، والتجاوز عنه؛ ومعناه أن الله ستر ذنبكم، ويتجاوز عنكم، فلا يعاقبكم؛ لأن"المغفرة"مأخوذة من المغفر، وهو ما يوقى به الرأس في الحرب؛ لأنه يستر ويقي. و {خطاياكم} جمع خَطِيَّة، كـ"مطايا"جمع مطية؛ و"الخطية"ما يرتكبه الإنسان من المعاصي عن عمد. قوله: {وسنزيد} أي سنعطي زيادة على مغفرة الذنوب {المحسنين} أي الذين يقومون بالإحسان في عبادة الله، وفي معاملة الخلق.
قوله: {فبدل الذين ظلموا} أي فاختار الذين ظلموا منهم على وجه التبديل، والمخالفة {قولاً غير الذي قيل لهم} وذلك أنهم قالوا:"حنطة في شعيرة"بدلاً عن قولهم:"حطة". قوله: {فأنزلنا} الفاء للسببية؛ والمعنى: فبسبب ما حصل منهم من التبديل أنزلنا {على الذين ظلموا} أي عليهم {رجزاً} أي عذاباً {من السماء} أي من فوقهم؛ كالحجارة، والصواعق، والبَرَد، والريح، وغيرها؛ والمراد بـ {السماء} هنا العلوّ، ولا يلزم أن يكون المراد بها السماء المحفوظة؛ لأن كل ما علا فهو سماء ما لم يوجد قرينة؛ كما في قوله -تعالى-: {وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا مَّحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ} سورة الأنبياء (3) . قوله: {بما كانوا يفسقون} الباء هنا للسببية. أي بسبب؛ و"ما"مصدرية. أي بكونهم فسقوا. و {كانوا} المراد تحقيق اتصافهم بذلك. و {يفسقون} أي يخرجون عن طاعة الله-عز وجل-.
فائدة:
قوله تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} هذه إحدى الآيات الخمس التي في سورة البقرة التي فيها إحياء الله -تعالى- الموتى؛ والثانية: في قصة صاحب البقرة؛ كما في قوله: {كَذَلِكَ يُحْيِي اللّهُ الْمَوْتَى} سورة البقرة (73) . والثالثة: في الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، فقال الله لهم: {مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ} سورة البقرة (243) . والرابعة: في قصة الذي مرّ على قرية وهي خاوية على عروشها، فقال: {أَنَّىَ يُحْيِي هََذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ } سورة البقرة (259) . والخامسة: في قصة إبراهيم: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى...} سورة البقرة (260) الآية.
بعض فوائد الآيات:
1.تذكير الله -تعالى- بني إسرائيل بنعمته عليهم، حيث بعثهم من بعد موتهم.
2.سفاهة عقول بني إسرائيل؛ وما أكثر ما يدل على سفاهتهم!؛ فهم يؤمنون بموسى، ومع ذلك قالوا: {لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} .
3.وجوب الشكر على من أنعم الله عليه بنعمة؛ لقوله -تعالى-: {لعلكم تشكرون} .
4.نعمة الله-تبارك وتعالى- بما هيأه لعباده من الظلِّ؛فإن الظلّ عن الحرّ من نعم الله على العباد.
5.بيان نعمة الله على بني إسرائيل بما أنزل عليهم من المن والسلوى يأتيهم بدون تعب، ولا مشقة.
6.أن الإنسان إذا أنعم الله عليه بنعمة فينبغي أن يتبسط بها، ولا يحرم نفسه منها؛ لقوله- تعالى-: {كلوا من طيبات ما رزقناكم} .
7.أن المباح من الرزق هو الطيب الحلال؛ لقوله: {كلوا من طيبات} ؛ وأما الرزق المكتسب عن طريق الحرام فهو خبيث.
8.أنه يجب على من نصره الله، وفتح له البلاد أن يدخلها على وجه الخضوع، والشكر لله؛ لقوله: {وادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة} .
9.حرمة تأويل النصوص الشرعية للخروج بها عن مراد الشارع منها.
10.أنَّ الإحسان سبب للزيادة, سواء كان إحساناً في عبادة الله، أو إحساناً إلى عباد الله.