فهرس الكتاب

الصفحة 4243 من 9994

عباد الله: هذا هدى الكتاب والسنة، وهدي الصحابة رضوان الله عليهم في تحطيم الأصنام والأوثان، أفيأتي بعدهم من يشكك في هذه الملة الحنيفية والسنة الربانية بحجج واهية أملتها عليهم ضرورة مجاراة العصر والحضارات الكافرة وما هذه الشبهة التي يلوكونها ويرددونها إلا تخذيل لأتباع رسالة نبينا محمد علم أولئك أم جهلوا.

عباد الله: قد جاء الوعيد الشديد لمن نصب الأصنام والأوثان كما حدث للطاغية عمرو بن لحي الخزاعي إمام الشرك والوثنية، فقد قال: (( رأيت عمرو بن لحي الخزاعي يجر قصبة في النار ) ) [رواه البخاري] . وكان أول من سيب السوائب، وأول من غير دين إبراهيم الخليل فأدخل الأصنام إلى الحجاز.

بارك الله لي ولكم في الكتاب والسنة ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، قلت ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله معز من أطاعه واتقاه، ومذل من عصاه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله وعلى آله ومن والاه.

أما بعد:

فيا عباد الله، اعلموا رحمكم الله أن الإجماع منعقد على وجوب كسر هذه الأصنام والأوثان، حتى إن الأمام الشافعي رحمه الله نقل عن أئمة العلم بمكة أنهم كانوا يأمرون بهدم ما بني على القبور. ونقل الملا علي قاري الحنفي رحمه الله قول العلماء في وجوب محو الصور. وهذا الذي نقله مما يقول به عامة علماء الأحناف وغيرهم. وقال أبو يحيى الشافعي في"أسنى المطالب": ويلزم المكلف القادر كسر الأصنام ثم نقل عن صاحب الإحياء أنه قال"ليس لأحد أن يمنع أحداً من كسرها، وأن الصبي غير المكلف مأجور على كسرها."

أما ابن العربي المالكي رحمه الله: فقد أوجب كسر الأصنام. وقد نقل صاحب"تيسير العزيز الحميد"الحنبلي إجماع أهل العلم على هدم ما بني على القبور. وقد سبق نقل نصوص عن بعض أئمة الحنابلة فيما مضى.

ثم اعلموا عبد الله: أن الأدلة الدالة على تحطيم الأصنام عامة، فأين إخراج الأصنام المعدة للتراث أو النفع الاقتصادي أو المعدة للسياحة ونحوه. قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [البقرة:111] .

ثم نقول لهم: هل هناك نفع لشيء وصفه الله تعالى بأنه رجس كما قال تعالى: ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالاْنصَابُ وَالاْزْلاَمُ رِجْسٌ مّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ [المائدة:90] . وجاء في الحديث الصحيح عن جابر مرفوعاً: (( إن الله ورسوله حرما بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام ) )فقد حرم المصطفى بيع الأصنام ولم تجعل باباً من أبواب الاتجار والنفع الاقتصادي، وهل أصنام العرب عباد الله إلا من الآثار القديمة التي هي إرث حضاري فاسد؟ فهل تركها أم حطمها؟ وقد سبق الجواب عملياً منه ثم أرسل أصحابه لهدمها.

وأما ما يقال من أنها لا تشكل خطراً على المسلمين فلو كانت كما يقال لم يتفق الرسل عليهم الصلاة والسلام على تحطيمها وعدم إبقائها، إذ الأصنام وكل ما يعبد من دون الله خطر على التوحيد الذي أمر الله به عز في علاه، ثم ألا يكفي بوذا في بلاد الوثنيين حتى يقر على رؤوس المسلمين في أفغانستان.

وأخيراً عباد الله: اعلموا أن ما تركه المسلمون من الأصنام والتماثيل والمعبودات في البلدان التي فتحوها على ثلاثة أقسام: _ في البلدان التي فتحوها على ثلاثة أقسام:

القسم الأول: ما كان في هذه الأصنام داخلاًً في كنائسهم ومعابدهم التي صولحوا عليها، فتترك بشرط عدم إظهارها كما في الشروط العمرية.

القسم الثاني: أن تكون تلك الأصنام والتماثيل من القوة والإحكام بحيث يعجزون عن هدمها وإزالتها، مثل تلك التماثيل الهائلة المنحوتة في الجبال والصخور، وقد ذكر ابن خلدون في مقدمته: أن ما كان من الهياكل العظيمة جداً لا تستقل ببنائها الدولة الواحدة ،بل تتم في أزمنة متعاقبة حتى تكتمل وتكون ماثلة للعيان.

القسم الثالث: أن تكون تلك الأصنام مطمورة تحت الأرض أو مغمورة بالرمال ولم تظهر إلا بعد انتهاء زمن الفتوحات الإسلامية. وهذا مثل كثير من آثار الفراعنة في مصر. كما ذكر المقريزي رحمه الله تعالى في خططه: أن أبا الهول كان مغموراً تحت الرمال، ولم يظهر منه إلا الرأس والعنق دون الباقي بخلافه اليوم. وقد توفي المقريزي رحمه الله في القرن التاسع يعني بعد الصحابة بثمانمائة عام على أقل تقدير.

وقد سئل المؤرخ الزركلي كما في كتابه (شبه جزيرة العرب) عن الأهرام وأبي الهول ونحوها هل رآه الصحابة الذين دخلوا مصر؟ فقال كان أكثرها مغموراً بالرمال، ولا سيما أبا الهول.

ولذلك عباد الله: لا يصح مطلقاً نسبة ترك هذه الأصنام والتماثيل إلى خير القرون، فإنهم أحرص الناس على إقامة التوحيد وشعائره وإزالة الشرك ومظاهره.

اللهم انصر دينك وكتابك وسنة رسولك وعبادك الصالحين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت