فهرس الكتاب

الصفحة 4233 من 9994

بل كان أيضا رحمة للبهائم، فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فانطلق لحاجته، فرأينا حُمّرة معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمّرة فجعلت تُفرِّش، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (( من فجع هذه بولدها؟ رُدّوا ولدها إليها ) )، ورأى قرية نمل قد حرقناها فقال: (( من حرق هذه؟ ) )قلنا: نحن، قال: (( إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار ) )، وعن عبد الله بن جعفر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل حائطا لرجل من الأنصار فإذا جمل، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم حنّ وذرفت عيناه، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم فمسح ذِفراه فسكت، فقال: (( من ربّ هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟ ) )فجاء فتى من الأنصار فقال: لي يا رسول الله، فقال: (( أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملّكك الله إياها؟! فإنه شكا إليّ أنك تجيعه وتدئبه ) ).

كما كان صلى الله عليه وسلم رحمة حتى للجمادات، فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب إلى جذع، فلما اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم المنبر حنّ الجذع حتى أتاه فالتزمه فسكن.

قيل: هو بمعنى العاقب، أي: الذي ليس بعده نبي. وقيل: هو الذي يقتفي أي: يتبع الأنبياء الذين قبله. انظر: شرح صحيح مسلم للنووي (15/106) .

أخرجه مسلم في الفضائل (2355) .

أخرجه البخاري في بدء الخلق (3231) واللفظ له، ومسلم في الجهاد (1795) .

الحُمَّرة بضم الحاء وتشديد الميم وقد تخفف: طائر صغير كالعصفور. انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير (1/439) .

تفرِّش أي: ترفرف بجناحيها وتقرُب من الأرض. انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير (3/430) .

أخرجه البخاري في الأدب المفرد (382) ، وأبو داود في الجهاد (2675) ، وصححه الحاكم (4/239) ، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (2268) . وأخرجه أحمد (1/404) من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود مرسلاً.

ذِفرى البعير أصل أذنه، ومثناه ذفريان. انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير (2/161) .

تُدئِبه بضم التاء، ودال مهملة ساكنة، بعدها همزة مكسورة وباء موحدة، أي: تتعبه بكثرة العمل. قاله المنذري في الترغيب والترهيب (3/146) .

أخرجه أحمد (1/204) ، وأبو داود في الجهاد (2549) ، وصححه الحاكم (2/109) ، ووافقه الذهبي، وصححه الضياء في المختارة (9/158) ، وهو مخرج في السلسلة الصحيحة (20) .

أخرجه البخاري في المناقب (3583) ، والترمذي في الجمعة (505) واللفظ له.

ثالثًا: مقصد حفظ النفس:

أرسل الله نبيه صلى الله عليه وسلم بدينٍ كلُّه رحمة وخير وسعادة لمن اعتنقه وتمسّك به، قال الله تعالى: {ياأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مّن رَّبّكُمْ وَشِفَاء لِمَا فِى الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس:57، 58] ، وتتجلّى رحمة الإسلام في مقاصده العظيمة وقواعده الجليلة ونُظمه الفريدة وأخلاقه النبيلة، فهو رحمة في السلم والحرب، ورحمة في الشدة والرخاء، ورحمة في الوسع والضيق، ورحمة في الإثابة والعقوبة، ورحمة في الحكم والتنفيذ، ورحمة في كل الأحوال.

ولتحقيق هذه الرحمة جاء الإسلام بحفظ الضروريات الخمس التي لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج واضطراب وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران المبين.

وهذه الضروريات الخمس هي الدين والنفس والعقل والعرض والمال، وأعظمها بعد مقصد حفظ الدين مقصدُ حفظ النفس، فقد عُنيت الشريعة الإسلامية بالنفس عناية فائقة، فشرعت من الأحكام ما يحقّق لها المصالح ويدرأ عنها المفاسد، وذلك مبالغة في حفظها وصيانتها ودرء الاعتداء عليها.

والمقصود بالأنفس التي عنيت الشريعة بحفظها الأنفس المعصومة بالإسلام أو الجزية أو العهد أو الأمان، وأما غير ذلك كنفس المحارب فليست مما عنيت الشريعة بحفظه، لكون عدائه للإسلام ومحاربته له أعظم في ميزان الشريعة من إزهاق نفسه، بل وقد تكون النفس معصومة بالإسلام أو الجزية أو العهد أو الأمان ومع ذلك يجيز الشرع للحاكم إزهاقها بالقصاص أو الرجم أو التعزير، ولا يقال: هذا مناف لمقصد حفظ النفس؛ لكون مصلحة حفظها والحالة هذه عورضت بمصلحة أعظم، فأخِذ بأعظم المصلحتين.

وقد وضعت الشريعة الإسلامية تدابير عديدة كفيلة بإذن الله بحفظ النفس من التلف والتعدي عليها, بل سدّت الطرقَ المفضية إلى إزهاقها أو إتلافها أو الاعتداء عليها, وذلك

بسدّ الذرائع المؤدّية إلى القتل.

فممّا جاءت به الشريعة لتحقيق هذا المقصد:

1-تحريم الانتحار والوعيد الشديد لمن قتل نفسه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت