ولأنها حلبة الصراع بين الحق والكفر، فهي مركز قيادة الناس إلى الخير الذي بشر به النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: 'إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم، ولا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة'.
ولما عرَّف أئمة الحديث الكبار - رحمهم الله - الطائفة المنصورة قالوا: هم أهل العلم بالآثار ومن تبعهم اقتداء بالسلف الصالح رضوان الله عنهم عقيدة ومنهجاً، يقصدون بذلك من كان على علم في الحديث والأثر وعلى منهاج النبوة.
عسقلان ثغر مهم من ثغور الشام:
أخرج الطبراني في 'المعجم الكبير' وهو في 'الصحيحة /3270' عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: 'أول هذا الأمر نبوة ورحمة، ثم يكون خلافة ورحمة، ثم يكون ملكاً ورحمة، ثم يتكادمون عليه تكادم الحمر، فعليكم بالجهاد، وإن أفضل جهادكم الرباط، وإن أفضل رباطكم عسقلان'.
وعسقلان عرفت منذ أقدم العصور التاريخية وورد لفظها في معجم 'لسان العرب' بمعنى أعلى الرأس، إنها عروس الشام من جند فلسطين، جاء في 'موسوعة المدن الفلسطينية': 'وتعتبر عسقلان مدينة ساحلية ذات شأن اقتصادي على مدى تاريخها الطويل، ويعود ذلك إلى مينائها البحري وموقعها الاستراتيجي القريب من الحدود المصرية ـ الفلسطينية، ومواجهتها للقادمين من البحر تجاراً كانوا أم غزاة، وكانت عرضة للسيطرة عليها في التاريخ القديم، ولم يعرف جيش حاول فتح فلسطين لم يحاول السيطرة على عسقلان، ولم يحدث أن فتحت فلسطين من الجنوب إلا بعد فتح عسقلان، ولم تقل أهمية عسقلان في كل عهود الحكم الإسلامي'.
الحديث من أعلام ودلائل نبوته صلى الله عليه وسلم ففيه: 'ثم يتكادمون عليه تكادم الحمر' إشارة إلى الحال الذي سيصل بالمسلمين، وأنهم يتنازعون السلطة، بسبب التفرق والاختلاف، ومن ثم كان قوله: 'وإن أفضل رباطكم عسقلان' إشارة إلى أفضل الرباط على اعتبار أن هذا الرباط في بلاد الشام، وبلاد الشام مطمع الكفار، ومن تتبع تاريخ بلاد الشام منذ القدم يرى أهمية موقعها الاستراتيجي الذي كان هدف الغزاة الأول للنفاذ إلى فلسطين، فالسيطرة عليها كان يعني التحكم في الطرق المؤدية إلى معظم أنحاء فلسطين شمالاً وجنوباً وشرقاً، يضاف إلى ذلك التحكم منها في حركة المواصلات البحرية.
ولا شك أن سقوط ثغور المسلمين بيد الكفار أعداء الله دليل واضح على فساد اعتقاد المسلمين وبعدهم عن دين ربهم، ولن يعود المجد والعزة إلا إذا رجع المسلمون لدينهم واتقوا ربهم عز وجل.
العاقبة للمتقين طال الزمان أو قَصُر:
من سنن الله تعالى أن تكون العاقبة للمتقين طال الزمان أو قصر، فالنصر والتمكين لدين الله قادم لا محالة بنا أو بغيرنا قال تعالى: [هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون] .
ولكن حين يتخلى أهل الإيمان عن إيمانهم فإن سنة أخرى هي التي ستحكم هؤلاء المتراجعين: [وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم] .
ولا شك أن قتال اليهود حادث ولا ريب، وسيقضي المسلمون المجاهدون على الدجال ومن معه من اليهود جميعاً، وتستريح البشرية جمعاء من شرور اليهود وأطماعهم وإفسادهم، ولكن على يد مَنْ مِنَ المجاهدين سيقتل اليهود ومعهم الدجال؟ والإجابة في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:'لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبد الله! هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود'.
فحربنا من اليهود مستمرة والتي بدأت منذ بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم، وسوف تستمر حتى خروج الدجال، ونزول عيسى عليه السلام، والقضاء على آخر يهودي وستبقى بقية أهل الإيمان على الأرض المقدسة وبلاد الشام تنافح عن الحق وعن الإسلام ضد الباطل وأهله إلى أن تقاتل هذه الفئة الدجال في آخر الزمان.
ولكن على يد مَن يعود المسجد الأقصى وما سلب من بلاد الشام؟
لقد وعد الله تعالى المؤمنين بأن ينصرهم على عدوه وعدوهم وإن طال الزمان بنظر المؤمنين أو قصر، وربط الرسول صلى الله عليه وسلم الأرض المقدسة بأصلها الأصيل وهو الإسلام، فهو مستقبلها وبه حياتها، ولن يتم لها أمر، أو يعلو لها شأن إلا من خلال هذا الدين وأهله المصلين الموحدين المؤدين فرائضه، والمجتنبين معاصيه، فالنصر موعود الله سبحانه وتعالى للجباه الساجدة، والقلوب الموحدة، والأيدي المتوضئة، قال تعالى: [وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً فمن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون] النور 55.