الحمد لله الذي جعل جنات الفردوس لعباده نُزلًا، ويسرهم للأعمال الصالحة الموصلة إليها، فلم يتخذوا سواها شُغلًا، وسهَّل لهم طرقها، فسلكوا السبيل الموصلة إليها ذُللًا، خلقها لهم قبل أن يخلقهم، وأسكنهم إياها قبل أن يوجدهم، وحجبها بالمكاره، وأخرجهم إلى دار الامتحان، ليبلوهم أيهم أحسن عملًا، وجعل ميعاد دخولها يوم القدوم عليه، وضرب مدة الحياة الفانية دونه أجلًا، وأودعها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة عبده وابن عبده وابن أمته، ومن لا غنى له طرفة عين عن فضله ورحمته، ولا مطمع له بالفوز بالجنة والنجاة من النار إلا بعفوه ومغفرته. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وأمينه على وحيه وخيرته من خلقه، أرسله رحمة للعالمين، وقدوة للعاملين، ومحجةً للسالكين، وحجة على العباد أجمعين، بعثه للإيمان مناديًا، وإلى دار السلام داعيًا، وللخليقة هاديًا، ولكتابه تاليًا، ولمرضاته ساعيًا، وبالمعروف آمرًا، وعن المنكر ناهيًا. فصلى الله عليه وملائكتُه وأنبياؤه و رسله وعباده المؤمنون عليه، كما وحَّد الله وعبده، وعرَّفنا به ودعا إليه 1.
أما بعد:
فإن الله لم يخلقنا عبثًا، ولم يتركنا سدى وهملًا، بل خلقنا ليأمرنا وينهانا، فمن امتثل أمر الله، واجتنب نهيه، فاز بجنة عرضها الأرض والسماء، ومن خالف أمره وعصى كانت الجحيم هي المأوى.
لقد بين الله لنا طريق أهل السعادة ورغبنا فيها، وطريق أهل الشقاء وحذرنا منها، وأخبر الناس فريقين لا ثالث لهما، فقال تعالى: { فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ } 2. وهو سبحانه يمتن ويتفضل على أوليائه بجنته، ويجازي ويعاقب أعدائه بناره .
ولا أفضل وأصدق وأجمع من وصف للجنة حتى كأننا نراهما رؤي عين، من وصف من خلقها بيده، فوصفها لنا - سبحانه وتعالى - فقال: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ( ) فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( ) ذَوَاتَا أَفْنَانٍ ( ) فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( ) فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ ( ) فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( ) فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ ( ) فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( ) مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ ( ) فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( ) فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ ( ) فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( ) كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ ( ) فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( ) هَلْ جَزَاء الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ ( ) فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( ) وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ ( ) فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( ) مُدْهَامَّتَانِ ( ) فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( ) فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ ( ) فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( ) فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ( ) فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( ) فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ ( ) فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( ) حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ ( ) فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( ) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ ( ) فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( ) مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ ( ) فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } سورة الرحمن: 49 - 77
وقال جل ذكره: { مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ} سورة الرعد:35 وقال تعالى: { مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاء حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ } سورة محمد: 15
وقال تعالى: { إِلاَّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ( ) أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ ( ) فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ ( ) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ( ) عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ ( ) يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ مِن مَّعِينٍ ( ) بَيْضَاء لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ ( ) لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ ( ) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ ( ) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ } سورة الصافات: 40 - 49
وقال تعالى { وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ ( ) يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لاَّ لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثِيمٌ ( ) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ ( ) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ } سورة الطور: 22 - 25
وقال تعالى: { وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً ( ) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ( ) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ ( ) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ( ) أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ( ) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ( ) ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَّلِينَ ( ) وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخِرِينَ ( ) عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ ( ) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ ( ) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ ( ) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ ( ) لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزِفُونَ ( ) وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ ( ) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ ( ) وَحُورٌ عِينٌ ( ) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ ( ) جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( ) لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا ( ) إِلاَّ قِيلًا سَلامًا سَلامًا ( ) وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ ( ) فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ ( ) وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ ( ) وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ ( ) وَمَاء مَّسْكُوبٍ ( ) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ ( ) لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ ( ) وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ ( ) إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاء ( ) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا ( ) عُرُبًا أَتْرَابًا ( ) لِّأَصْحَابِ الْيَمِينِ } سورة الواقعة: 7 _ 38
وقال: { َلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ( ) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ ( ) كِتَابٌ مَّرْقُومٌ ( ) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ( ) إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ( ) عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ ( ) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ( ) يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ ( ) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ( ) وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ ( ) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ } سورة المطففين: 18 - 28