إذن كانت هذه هي طريقة السلف الصالحين في تعلم المادة العلمية المعينة وهى الحرص على تفهم المادة وتطبيقها في المواقف قبل أن يستزيد، وهنا عندما نطبق ذلك على دراسة سيرة النبي _صلى الله عليه وسلم_ نقول إن كل جزئية من جزئيات حياته _صلى الله عليه وسلم_ هي قيمة وكل موقف من مواقفه هو درس في ذاته وكل صفة من صفاته هي قدوة فيجب ألا نفرح بالاستكثار من تدريس السيرة من قبل أن نتأكد من تشرب الطلاب كل موقف وتطبيقهم لكل فضيلة واقتدائهم بكل صفة.
ب - التعليم بالموقف:
وهذه الطريقة لا يمكن استخدامها إلا إذا كان المعلم متابعاً للطالب ومحتكاً به وقريباً منه فهو يستغل كل موقف يمر به ليسدى إليه التوجيه والتعليم رابطاً كل موقف من المواقف بمواقفه _صلى الله عليه وسلم_ وهذه الطريقة في التعليم من أبلغ الطرق في التأثير ومن أكثر الطرق رسوخاً في ذاكرة المتعلم إذ إنها تربط بمثير خارجي هو الموقف الذي مر به وبتوجيه مرتبط وهو التوجيه النبوي وطريقته _صلى الله عليه وسلم_ في التصرف فيه، وقد كان النبي _صلى الله عليه وسلم_ كثيراً ما كان يستخدم هذه الطريقة الناجحة في التعليم والتوجيه، فعن عمرو بن عوف الأنصاري _رضي الله عنه_ أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ بعث أبا عبيدة بن الجراح _رضي الله عنه_ إلى البحرين ليأتي بجزيتها فقدم بمال من البحرين فسمعت الأنصار بقدوم أبى عبيدة فوافوا صلاة الفجر مع الرسول _صلى الله عليه وسلم_ فلما صلى النبي انصرف فتعرضوا له فتبسم النبي حين رآهم ثم قال: أظنكم سمعتم أن أباعبيدة قدم بشيء من البحرين فقالوا: أجل يا رسول الله. فقال: أبشروا وأملوا ما يسركم فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكني أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم"متفق عليه"
ج - ما تكرر تقرر:
هي حكمة وصفية صالحة إذا حسن استخدامها وطريقة تعليمية ناجحة إذا أتقن العمل بها ومعناها أن يكرر المعلم الجمل الهامة والتوجيهات الضرورية والنصائح الغالية في السيرة النبوية التي وردت على لسان النبي _صلى الله عليه وسلم_ في المواقف الهامة وعلى لسان أصحابه _رضوان الله عليهم_ مرات كثيرة وفى مرات مختلفة وبطرق مختلفة ، فإنه إذا أكثر من تكرار ذلك بهذه الطريقة فإنها تقرر في عقول المستمع كأصول وأسس ثابتة يصعب نسيانها، فالمعلم الحريص على تعليم أتٌباع النبي _صلى الله عليه وسلم_ مثلا يكرر ذكر مقولة المقداد _رضي الله عنه_"والله يا رسول الله لو خضت بنا البحر لخضناه معك لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى ولكن نقول لك: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون"
د - التعليم بالحكاية:
وأقصد بالحكاية هنا حكايات الصالحين من أصحاب القرون الثلاثة الفاضلة والعلماء الكرام وكيف أنهم اقتدوا بسيرته _صلى الله عليه وسلم_ اقتداء شديداً واتبعوا خطواته متابعة كاملة، فتراجم الصالحين وحكاياتهم هي نموذج تطبيقي لسيرة النبي _صلى الله عليه وسلم_
هـ - التعليم بالبحث:
وهى طريقة جيدة أيضاً في تثبيت المعلومة والتحبيب في العلم والكتاب والتعويد على الصبر على العلم وعلى أدب الخلاف وهى هنا مفيدة جداً في تعليم السيرة النبوية وإخراج المستفاد من الدروس من المواقف والمقارنات بين المواقف السابقة والواقع الحالي وغير ذلك، وهي طريقة يقوم فيها المعلم - بعدما يشرح موضوعه المراد تدريسه - بأن يطلب من الأفراد القيام ببحث علمي مصغر للجزئية من السيرة المطلوبة كأن يطلب منهم البحث في صحة الروايات في تلك الجزئية أو الدروس المستفادة وكيفية تطبيقها في العصر الحديث أو خلافات الرواة في المواقف المختلفة وغيرها، ثم تأتى الخطوة التالية وهي أن يعرض عليهم جميعاً نتائج بحوثهم بعدد تقديمها له وقراءته إياها وعليه أن يثنى على مجهوداتهم ويبين الايجابيات في بحوثهم وأن يقف معهم على كل سلبية ويبين لهم الصواب بوضوح .
ثالثاً: الربط بين أحاديثه _صلى الله عليه وسلم_ وسيرته..
يغفل كثير من المعلمين أثناء تعليمهم سيرة النبي _صلى الله عليه وسلم_ للطلاب عن ربطها بالأحاديث النبوية الشريفة ويكتفون بما ذكره أصحاب السير في باب السيرة فحسب وهو منظور ناقص فسيرته _صلى الله عليه وسلم_ هي كل موروث صحيح عنه في المواقف المختلفة سواء كان تصرفاً أو توجيهاً.. وهذا ما فعله بعض أهل العلم الكبار حينما يذكرون سيرته _صلى الله عليه وسلم_ وأكثر نموذج يحضرني هو كتاب (زاد المعاد في هدى خير العباد) للإمام ابن قيم الجوزية - رحمه الله - فقد ربط فيه أيما ربط بين سيرته الشريفة وبين دروس فقهه وحديثه _صلى الله عليه وسلم_ غير أنه لم يستقص في ذلك الباب ربما لظروف تأليفه ذلك الكتاب القيم صحة الأحاديث...