فنعني بها الاستمرارية التي تتحقق به النتائج والتي تعظم بها الحصيلة والتي تجنى بها الثمار ؛ فإن المرء قد يحن الأمر ويتقنه ويبدأ فيه ويحصله ، ثم لا يلبث أن ينقطع فيضيع ما قد حصله ، ويتبدد ما قد جمعه فيعود مرةً أخرى كأنما يبدأ من الصفر من جديد ، فيجمع ويكسب ويحصّل ، ثم لا يستمر ولا يبني على ما سبق ، فلا يزال في مكانه يسير دون أن يتقدم ، ودون أن يرتقي ، ودون أن يضيف إلى رصيده مكتسبات حقيقية لها صفة الدوام والاستمرار ، ولها صفة الحفظ والاستقرار ؛ فإن كثير من الناس في هذا الشأن كمن يحرث في ماء البحر - كما يقال - والذي يحرث ماء البحر لا يخرج بنتيجة ولا يحصل على ثمرة مطلقة.
وأما كفاءة الأداء
فإننا لا نريد أن نستمر بعمل ناقص وبإتقان مختل ؛ فإن هذا يشبه الذي يمشي بالعرج ؛ فإنه ما يزال يتعثر ويتأخر وإن كان مستمراً ثم إنه كذلك يجد أنه يحتاج في كل مرةً أن يرمم عمله الذي أنجزه وأن يصلح ويكمل ثمرته الذي زرعها على أكمل وأتم وجه ؛ فإن الكمال والتمام يريح الإنسان ويوفر وقته ويوفر جهده ، وأما الذي يعمل العمل فيتمه من غير إحكام ؛ فإنه كأنه في بعض الأحوال لم يصنع شيء فيكون كحال الذي توقف وانقطع مثله مثل الذي يستمر على خلل ونقص دون أن يراعي الكفاءة والكمال المنشود.
وبعد ذلك نبدأ أحبتي الكرام بالبرامج التي نريد أن نأخذ بها لكي نحصل هذه الثمرة العظيمة.
أولاً: برنامج التصحيح
ونحن بهذا التصحيح تصحيح التلاوة والقراءة القرآنية لأنه لا يصلح ولا يمكن ولا ينفع الحفظ بدون هذا التصحيح قد قال الحق جلا وعلا عن القرآن: {نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين * بلسان عربياً مبين } ، فلا بد من إتقان القراءة وتصحيحها وفصاحتها العربية وبلاغتها القرآنية والحق جلا وعلا يقول: { قرآناً عربياً غير ذي عوجاً } ، فلا ينبغي أن يكون خلل في هذه القراءة من وجوهها المتعددة ويبين الحق جلا وعلا الفرق فيقول: { لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين } ، وفي حديث عائشة رضي الله عنها عن المصطفى صلى الله عليه وسلم كما أنه قال: ( الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة ، والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق فله أجران أجر التلاوة وأجر المشقة ) ، فهو يشق عليه لكنه يعالج ويغالب ويجتهد حتى يستقيم لسانه بقراءة صحيحة فصيحة متقنة ، فحينئذٍ إذا حفظ حفظ هذه الصحة وحفظ ذلك الإتقان وإلا يفعل ذلك كذلك ؛ فإنه يحفظ قرآن فيه أخطاء لا ينبغي أن يأخذ بها ولا تصح تلاوته بها وإذا أردنا أن نعرف ما الذي يشتمل عليه هذا التصحيح ؛ فإننا نجد نقاط كثيرة تتركز في ثلاثة مجالات:
1-معرفة النطق بالحروف. أي تصحيح المخارج ونطقها أي الحروف صحيحة فصيحةً.
2-معرفة الضبط بالشكل ؛ فإن كثير من الناس قد يحسن نطق الحروف ، لكنه يخطئ في قراءتها فلا يضبط حركاتها فيرفع منصوباً ويجر مضموماً ونحو ذلك.
3-والثالث معرفة القراءة بالرسم - أي الرسم القرآني - لأن القرآن برسمه ليس كغيره من الكتابات ، فيه كتابة خاصة بهذا الرسم العثماني الذي انعقد عليه الاجماع يحتاج المرء معه إلى تدرب.
ننتقل الآن إلى الطريقة العلمية ثم إلى البرنامج كيف؟ أو ما هي الطريقة التي يمكن بها لمن لا يحسن التلاوة القرآنية ولا يصححها ، ويخطئ فيها ويتتعتع ، ولا يكاد يستطيع أن يقرأ قراءةً مسترسلة ، وإذا قرأ قراءة مسترسلاًً أخطأ فيها كثيراً ، وتوقف فيها كثيراً ! نقول هناك الطريقة تتعلق بمبدأين اثنين:
1-التلقين.
2-الاستماع.
والتلقين له مرحلتان:
المرحلة الأولى: التي تعنى بصحة المخارج وإتقان الحركات والشدة والمدود .
وهذه الطريقة قد لا يقرأ فيها آيات قرآنية أو سور قرآنية ، بل الأصل والأغلب أنه يتعلم ويتعلق بالحروف فيرددها منفردة ، ثم يرددها مرة أخرى بحركاتها المختلفة - فتحةً أو كسرةُ أو ضمةً - ثم يرددها موصلة مع غيرها من الحروف - وسيما حروف المد - ثم يرددها ثالثاً وهي مشددة في سياق كلمات قرآنية مختارة ، وهنا يحصل له هذا الأمر بطريقتين اثنتين:
1-الترديد والتفريق
يردد هذه الحروف مفرقة ومجتمعة فيتقنها ، ثم يفرق فيما بينها ، فيفرق بين الحروف التي تختلط عند بعض الناس أو لا يحسنون نطقها مثل الذال والثاء والطاء على سبيل المثال ، وبين الزاي والسين والصاد ، وبين الشين والجيم وغيرها من الحروف المختلطة ؛ فإنه إذا ردد هذه الأحرف - كما سنذكرها - على منهج معين أتقن الحرف من جهة ، وميز وفرّق بينه وبين الحرف الآخر من جهة أخرى.
2-التجريب والتوصيل