كتب النورسي ونشر في هذه المرحلة عدة كتب ورسائل منها: إشارات الإعجاز- والسنوحات- والطلوعات- ولمعات وشعاعات من معرفة النبي صلى الله عليه وسلم وسواها باللغة العربية.
المرحلة الثانية من حياته:
في عام 1923 غادر النورسي مدينة أنقرة إلى مدينة"وان"حيث انقطع للعبادة في إحدى الخرائب المهجورة على جبل"أرك"ولم يدر شيئاً عن الأعاصير التي تنتظره.
وجاء من يدعوه إلى تأييد ثورة الشيخ سعيد بيران ضد الحكومة الكمالية العلمانية المعادية للإسلام، فأبى تأييدها، ولكن هذا الموقف، وذلك الانقطاع للعبادة، لم ينجياه من غضب حكومة أنقرة التي أمرت بالقبض عليه، ونقله إلى إستانبول، ومن ثَمَّ إلى مدينة"بوردور"ثم إلى"بارلا"في جو بارد من شتاء عام 1926 القارس، فقد كان الجو باردا، ومياه البحيرة متجمدة وأحد جذافي القارب الذي يحمله إلى منفاه في المقدمة يكسر الثلوج بعصا طويلة في يده، ليفتح بذلك طريقا للقارب الشراعي.
وفي بارلا بدأت المرحلة الثانية من حياة بديع الزمان، وهي المسماة مرحلة سعيد الجديد وقد كانت حافلة بالاتهامات والملاحقات والمطاردات والسجون والمعتقلات والمحاكمات والمنافي، مما لم يمر في حياة إنسان وهو صابر محتسب، يدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، شعاره في ذلك:
"أعوذ بالله من الشيطان والسياسة".
وفي هذه البلدة صنع له أحد النجارين غرفة خشبية صغيرة غير مسقوفة، وضعت بين أغصان شجرة الدلب العالية حيث كان النورسي يقضي فيها أغلب أوقاته في فصلي الربيع والصيف، متعبدا لله، متأملاً متفكراً، وعاكفاً على تأليف رسائل النور طوال الليل، والناس يسمعون همهمات العالم العابد المتهجد، ولا يستطيعون الاختلاط به ومحادثته، والإفادة من علمه، لأن هذا محظور عليهم وسوف يكلفهم كثيراً.
أمضى النورسي في"بارلا"ثماني سنوات ونصف السنة، ألَّفَ فيها أكثر رسائل النور، وهو يعاني من عدة أمراض، ولا يشتهي الطعام، بل كان يكتفي من الطعام بكسيرات من الخبز مع قليل من الحساء"الشوربة"ولا يقبل هدية ولا تبرعاً ولا زكاة من أحد... كان- كما قال عن نفسه- يعيش على البركة والاقتصاد.
وفي هذه المرحلة كان يؤلف ويكتب باللغة التركية المكتوبة بالحروف العربية، ويأمر تلاميذه بالكتابة بالحروف العربية، حفاظا عليها من النسيان، فقد كان أتاتورك قد ألغى الكتابة بالحروف العربية واستبدل بها الحروف اللاتينية.
وقد أسهمت النساء بنسخ الرسائل- الكتب- التي كان يمليها بديع الزمان على بعض تلاميذه في غفلة من الرقباء لأنه كان منفيا وموضوعا تحت الرقابة، ثم يقوم هؤلاء بتهريبها إلى النساء، ليسهرن في استنساخها، ويقضين الليالي في ذلك، حتى إذا أنجزنها، سارت بها ركبان طلبة النور في طول البلاد التركية وعرضها.
ورسائل النور هذه تدعو إلى إنقاذ الإيمان، وعودة الإسلام إلى الحياة.
وتصدى بها للعلمانيين والقوميين والسياسة الميكيافيلية القائمة على التزلف والنفاق والمصالح الشخصية. السياسة التي نَحَّتِ الدين جانبا، وولَّى أصحابها وجوههم نحو أوروبا، والسير في ركابها. ولهذا رأيناه في هذه المرحلة، يقف- بكل قوة- في وجه التيارات الإلحادية الشاملة، برغم ضراوة الهجمة وشراستها، وبرغم ما تعرَّض له من نفي وسجن واعتقال.
وهذا يعني، أن شعاره في هذه المرحلة:"أعوذ بالله من الشيطان والسياسة"لا يعني أنه تخلَّى عن السياسة فعلا، بل أراد به حماية تلاميذه من شرور الأشرار السياسيين، ومع ذلك، لم ينجح هو ولا تلاميذه من الملاحقة والمحاكمات والسجون التي أطلق عليها النورسي وتلاميذه اسم: المدرسة اليوسفية.
وقد جاء في قرار اللجنة المدققة لرسائل النور في مدينة (دنيزلي) :
"ليس لبديع الزمان فعالية سياسية، كما لا يوجد أي دليل على أنه يؤسس طريقة صوفية، أو قائم بإنشاء أي جمعية، وإن موضوعات كتبه تدور كلها حول المسائل العلمية والإيمانية وهي تفسير القرآن الكريم".
-عندما أطلق سراحه في الخمسينيات، كان في السابعة والسبعين من العمر، وكان يقول لزائريه أو الذين يرغبون في زيارته:
"كل رسالة- من رسائل النور- تطالعونها، تستفيدون منها فوائد أفضل من مواجهتي بعشرة أضعاف"..
وكان قد طلب أكثر من مرة من تلاميذه طلبة النور، ألا يربطوا الرسائل بشخصه الضعيف، فيحطوا من قيمتها، لأن للإنسان أخطاء وعيوبا قد سترها الله عليه.
كما كان يدعو تلاميذه إلى عدم التعلق به، لا في حياته، ولا بعد مماته، فذلك له أضرار جسيمة على الدعوة.
-وكان النورسي يحب أعالي الجبال، كما كان يحب أعالي الأشجار الباسقة الشاهقة، وكان يفضل الصلاة على الصخور المرتفعة، وكان يقول لتلاميذه:
"لو كنتُ في قوة شبابكم هذا، لما نزلت من هذه الجبال."