الوجه الرابع: أنها مخالفة لسنة النوافل ، فإن السنة فيها أن فعلها في البيوت أفضل من فعلها في المساجد ، إلا ما استثناه الشرع كصلاة الاستسقاء, والكسوف, وقد قال-صلى الله عليه وسلم-:"صلاة الرجل في بيته أفضل من صلاته في المسجد إلا المكتوبة"4.
الوجه الخامس: أنها مخالفة لسنة الانفراد بالنوافل ، فإن السنة فيها الانفراد ، إلا ما استثناه الشرع ، وليست هذه البدعة المختلقة على رسول الله-صلى الله عليه وسلم- منه .
الوجه السادس: أنها مخالفة للسنة في تعجيل الفطر ، إذ قال- صلى الله عليه وسلم -:"لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر"5 .
الوجه السابع: أنها مخالفة للسنة في تفريغ القلب عن الشواغل المقلقة قبل الدخول في الصلاة ، فإن هذه الصلاة يدخل فيها وهو جوعان ظمآن ، ولاسيما في أيام الحر الشديد ، والصلوات لا يدخل فيها مع وجود شاغل يمكن رفعه .
الوجه الثامن: أن سجدتيها مكروهتان ، فإن الشريعة لم ترد بالتقرب إلى الله تعالى بسجدة منفردة لا سبب لها ، فإن القرب لها أسباب وشرائط وأوقات وأركان لا تصح بدونها ، فكما لا يتقرب إلى الله بالوقوف بعرفة ومزدلفة ورمي الجمار ، والسعي بين الصفا والمروة من غير نسك واقع في وقته بأسبابه وشرائطه، فكذلك لا يتقرب إليه بسجدة منفردة، وإن كانت قربة، إلا إذا كان لها سبب فكذلك لا يتقرب إلى الله- عز وجل- بالصلاة والصيام في كل وقت وأوان وربما تقرب الجاهلون إلى الله تعالى بما هو مبعد عنه من حيث لا يشعرون .
الوجه التاسع: لو كانت السجدتان مشروعتين ، لكان مخالفاً للسنة في خشوعهما وخضوعهما ، بما يشتغل به من عدد التسبيح فيهما بباطنه ، أو بظاهره ، أو بباطنه وظاهرة.
الوجه العاشر: أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال:"لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي ، ولا تختصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام ، إلا أن تكون في صوم يصومه أحدكم"6.
الوجه الحادي عشر: أن في ذلك مخالفة للسنة فيما اختاره رسول الله-صلى الله عليه وسلم-في أذكار السجود، فإنه لما نزل قوله-سبحانه وتعالى-: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} . قال:"اجعلوها في سجودكم"7. وقوله:"سبوح قدوس"وإن صحت عن النبي-صلى الله عليه وسلم-، فلم يصح أنه أفردها بدون"سبحان ربي الأعلى"، ولا أنه وظفها على أمته، ومن المعلوم أنه لا يوظف إلا أولى الذكرين، وفي قوله:"سبحان ربي الأعلى"من الثناء ماليس في قوله:"سبوح قدوس"8.
أقوال العلماء في صلاة الرغائب:
قال الحافظ ابن رجب الحنبلي- رحمه الله- وهو يعدِّد العبادات التي أحدثها بعض الناس في رجب:"فأما الصلاة فلم يصح في شهر رجب صلاة مخصوصة تختص به، والأحاديث المروية في فضل صلاة الرغائب في أول ليلة جمعة من شهر رجب كذب وباطل لا تصح، وهذه الصلاة بدعة عند جمهور العلماء، وممن ذكر ذلك من الأعيان العلماء المتأخرين من الحفاظ: أبو إسماعيل الأنصاري، وأبو بكر بن السمعاني، وأبو الفضل بن ناصر، وأبو الفرج بن الجوزي، وغيرهم، وإنما لم يذكرها المتقدمون لأنها حدثت بعدهم، وأول ما ظهرت بعد الأربعمائة، فلذلك لم يعرفها المتقدمون ولم يتكلموا فيها"9.
وقال العز بن عبد السلام-رحمه الله-:"ومما يدل على ابتداع هذه الصلاة أن العلماء الذين هم أعلام الدين، وأئمة المسلمين من الصحابة والتابعين ، وتابعي التابعين ، وغيرهم ممن دون لكتب في الشريعة ، مع شدة حرصهم على تعليم الناس الفرائض والسنن ، لم ينقل عن أحد منهم أنه ذكر هذه الصلاة ، ولا دونها في كتابه ، ولا تعرض لها في مجالسه، والعادة تحيل أن تكون مثل هذه سنة وتغيب عن هؤلاء الذين هم أعلام الدين ، وقدوة المؤمنين ، وهم الذين إليهم الرجوع في جميع الأحكام من الفرائض والسنن والحلال والحرام.... ولما صح عند السلطان الكامل- رحمه الله- أنها من البدع المفتراه عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم-أبطلها من الديار المصرية ، فطوبى لمن تولى شيئاً من أمور المسلمين ، فأعان على إماتة البدع وإحياء السنن ."
وليس لأحد أن يستدل بما روي عن رسول الله-صلى الله عليه وسلم-أنه قال:"الصلاة خير موضوع"10. فإن ذلك مختص بصلاة لا تخالف الشرع بوجه من الوجوه، وهذه الصلاة مخالفة للشرع من الوجوه المذكورة، وأي خير في مخالفة الشريعة؟ ولمثل ذلك قال-صلي الله عليه وسلم-:"شر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلاله"11 .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله -:"وأما صلاة الرغائب فلا أصل لها، بل هي محدثة ، فلا تستحب لا جماعة ولا فرادى ، فقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي- صلى الله عليه وسلم- نهى أن تختص ليلة الجمعة بقيام ، أو يوم الجمعة بصيام."
والأثر الذي ذكر فيها كذب موضوع باتفاق العلماء ، ولم يذكره أحد من السلف والأئمة أصلاً"12."