وقال الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز-رحمه الله: (وهذه الليلة التي حصل فيها الإسراء والمعراج، لم يأت في الأحاديث الصحيحة تعيينها، وكل ما ورد في تعيينها فهو غير ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم عند أهل العلم بالحديث، ولله الحكمة البالغة في إنساء الناس لها، ولو ثبت تعيينها لم يجز للمسلمين أن يخصوها بشيء من العبادات ولم يجز لهم أن يحتفلوا بها لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه - رضي الله عنهم - لم يحتفلوا بها، ولم يخصوها بشيء، ولو كان الاحتفال بها أمراً مشروعاً لبينه الرسول صلى الله عليه وسلم للأمة إما بالقول أو الفعل، ولو وقع شيء من ذلك لعرف واشتهر، ولنقله الصحابة - رضي الله عنهم - إلينا فقد نقلوا عن نبيهم صلى الله عليه وسلم كل شيء تحتاجه الأمة، ولم يفرطوا في شيء من الدين، بل هم السابقون إلى كل خير، فلو كان الاحتفال بهذه الليلة مشروعاً لكانوا أسبق الناس إليه، والنبي صلى الله عليه وسلم هو أنصح الناس للناس، وقد بلغ الرسالة غاية البلاغ، وأدى الأمانة، فلو كان تعظيم هذه الليلة والاحتفال بها من دين الإسلام لم يغفله النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكتمه، فلما لم يقع شيء من ذلك علم أن الاحتفال بها وتعظيمها ليسا من الإسلام في شيء، وقد أكمل الله لهذه الأمة دينها، وأتم عليها النعمة، وأنكر على من شرع في الدين ما لم يأذن به الله، قال سبحانه وتعالى في كتابه المبين من سورة المائدة: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً } سورة المائدة: الآية3.
وقال عز وجل في سورة الشورى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} سورة الشورى:21.
وثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة التحذير من البدع، والتصريح بأنها ضلالة تنيبهاً للأمة على عظيم خطرها، وتنفيراً لهم من اقترافها (27) .ا.هـ.
ثم أورد - رحمه الله تعالى - بعض الأحاديث الواردة في ذم البدع مثل قوله صلى الله عليه وسلم (( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) ). وقوله صلى الله عليه وسلم: (( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ) ). وقوله صلى الله عليه وسلم: (( أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة ) )وقوله صلى الله عليه وسلم: (( فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة ) ) (28) .
فما ذكر من كلام العلماء وما استدلوا به من الآيات والأحاديث فيه الكفاية، ومقنع لمن يطلب الحق في إنكار هذه البدعة، بدعة الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج، وأنها ليست من دين الإسلام في شيء، وإنما هي زيادة في الدين، وشرع لم يأذن به الله، وتشبه بأعداء الله من اليهود والنصارى في زيادتهم في دينهم، وابتداعهم فيه ما لم يأذن به الله، وأن لازمها التنقص للدين الإسلامي، واتهامه بعدم الكمال، ولا يخفى ما في ذلك من الفساد العظيم، والمنكر الشنيع، والمصادمة لقوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} ، والمخالفة الصريحة لأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم المحذرة من البدع، ومما يؤسف له أن هذه البدعة قد فشت في كثير من الأمصار في العالم الإسلامي، حتى ظنها بعض الناس من الدين، فنسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين جميعاً، ويمنحهم الفقه في الدين، ويوفقنا وإياهم للتمسك بالحق، والثبات عليه، وترك ما خالفه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبيناً محمد وآله وصحبه أجمعين (29) .
1-هذا المقال مستفاد من كتاب البدع الحولية رسالة ماجستير للشيخ عبد الله بن عبد العزيز التويجري ص ( 268- 282)
2-- يراجع: السنن والمبتدعات ص (147) ، والإبداع ص (272) .
3-يراجع: المدخل لابن الحاج (1/295-298) .
4 -يراجع: زاد المعاد (1/57)
5-- يراجع فتح الباري (7/203) ، ويراجع شرح الزرقاني على المواهب اللدنية (1/307، 308) ، والطبقات لابن سعد (1/213، 214) ، والوفا لابن الجوزي (1/349) ، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (10/210) ، وشرح النووي على صحيح مسلم (2/209) ، وعيون الأثر لابن سيد الناس (1/181، 182) ، والبداية والنهاية (3/119) ، وتفسير ابن كثير (3/22) ، وفتاوى النووي ص (27) ، وسبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد للشامي (3/94-96) .
6-يراجع: زاد المعاد (1/57) .
7 -يراجع: لطائف المعارف ص (168) .
8 يراجع: الباعث ص (171) .