فهرس الكتاب

الصفحة 4041 من 9994

كان لرسول -صلى الله عليه وسلم- في الشجاعة القِدح المعلَّى، فكان أسرع الناس إلى العدو وأقربهم إليه، ولم يفرّ -صلى الله عليه وسلم- من أية معركة رغم شدتها والتحام الصفوف؛ فعن أبي إسحاق قال: «جاء رجل إلى البراء فقال: أكنتم ولّيتم يوم حنين يا أبا عمارة؟ فقال: أشهد على نبي الله -صلى الله عليه وسلم- ما ولَّى، ولكنه انطلق أخِفَّاء من الناس وحُسَّر إلى هذا الحي من هوازن وهم قوم رماة، فرموهم برشق من نبل كأنها رجل من جراد فانكشفوا، فأقبل القوم إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبو سفيان بن الحارث يقود به بغلته، فنزل ودعا واستنصر وهو يقول: أنا النبي لا كذب... أنا ابن عبد المطلب، اللهم نزِّل نصرك، قال البراء: كنا والله إذا احمرّ البأس نتقي به، وإن الشجاع منا للَّذي يحاذي به، يعني النبي -صلى الله عليه وسلم-» (4) ، وكان -صلى الله عليه وسلم- إذا دهم المدينةَ خطر يكون أسرع الناس لاستجلائه، فعن أنس قال: «كان النبي -صلى الله عليه وسلم- أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق الناس قبل الصوت، فاستقبلهم النبي -صلى الله عليه وسلم- قد سبق الناس إلى الصوت، وهو يقول: لن تُراعوا، لن تُراعوا، وهو على فرس لأبي طلحة عري ما عليه سرج، في عنقه سيف، فقال: لقد وجدته بحراً أو إنه لبحر» (5) فلفرط شجاعته -صلى الله عليه وسلم- كان أول من انطلق حتى يستجلي الأمر، حتى إن أسرع الناس من بعده لم يلحقه إلا وهو راجع، وذهب على فرس عري ليس عليه سرج والسيف في عنقه، فأي شجاعة هذه التي تجعل من صاحبها يقدم بمفرده ولا ينتظر من يعاونه أو يساعده على هذا الوضع الصعب؟! وعن جابر بن عبد الله ـ رضي الله تعالى عنهما ـ أخبر: «أنه غزا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قِبَلَ نجد؛ فلما قفل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قفل معه، فأدركتهم القائلة في واد كثير العضاه، فنزل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتفرق الناس في العضاه يستظلون بالشجر، ونزل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تحت سَمُرة فعلَّق بها سيفه، قال جابر: فنمنا نومة، ثم إذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يدعونا، فجئناه فإذا عنده أعرابي جالس، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إن هذا اخترط سيفي وأنا نائم فاستيقظت وهو في يده صَلْتاً، فقال لي: من يمنعك مني؟ قلت: الله؛ فها هو ذا جالس، ثم لم يعاقبه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» (1) ، في هذا الوضع الصعب حيث الرجل ممسك بالسيف، والرسول -صلى الله عليه وسلم- ليس معه سلاح، لكنه ظلَّ رابط الجأش واثقاً من معية الله، ولم يظهر منه خوف أو جزع، بل ثبات ويقين. قال ابن حجر: «وفي الحديث فرط شجاعة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقوة يقينه وصبره على الأذى وحلمه عن الجهال» (2) .

< وجوب نصرة النبي -صلى الله عليه وسلم-:

نصرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- من لوازم الإيمان، وقد ضمن الله ـ تعالى ـ الفلاح لمن آمن برسوله ونَصَرَه، فقال ـ تعالى ـ: {فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 157] ، فالذين عزّروه هم الذين وقَّروه، والذين نصروه هم الذين أعانوه على أعداء الله وأعدائه بجهادهم ونصب الحرب لهم، وقد مدح الله ـ تعالى ـ المهاجرين الذين نصروا رسوله وشهد لهم بالصدق في إيمانهم فقال ـ تعالى ـ: {لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحشر: 8] ، كما شهد لمن آوى المهاجرين ونصر الرسول بأنهم هم المؤمنون حقاً فقال ـ تعالى ـ: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 74] ، فكان البذل والعطاء في سبيل الله سواء بالهجرة أو بالنصرة دليل الإيمان الحق.

وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو في مكة قبل الهجرة يطوف على الناس يطلب النصرة حتى يتمكن من إبلاغ رسالة الله ـ تعالى ـ للعالمين؛ فعن جابر ـ رضي الله تعالى عنه ـ قال: «مكث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بمكة عشر سنين يتبع الناس في منازلهم بعكاظ ومجنة، وفي المواسم بمنى، يقول: من يؤويني؟ من ينصرني حتى أبلغ رسالة ربي، وله الجنة؟ ..» الحديث (3) ، وعندما أراد الهجرة إليهم في المدينة أخذ البيعة عليهم أن ينصروه وأن يمنعوه مما يمنعون منه أهليهم، ففي الحديث المتقدم قال لهم: «وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة» (4) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت