وكان لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- مولى اسمه زيد بن حارثة ـ رضي الله تعالى عنه ـ تبناه الرسول قبل البعثة، وكانت عادة العرب أن زوجة الابن تحرم على الوالد، ولو لم يكن ابناً للصلب، وإنما كان ابناً بالتبنّي، وأراد الله ـ تعالى ـ أن يهدم هذا العرف الجاهلي، فلما طُلقت زينب بنت جحش زوجة زيد ـ رضي الله تعالى عنها ـ شرع الله لرسوله -صلى الله عليه وسلم- زواجها ليكون هو أول من يهدم هذا العرف الجاهلي؛ لكن هذا الأمر كان صعباً على تلك البيئة؛ لتأصّل تلك العادة فيهم، فأخفى -صلى الله عليه وسلم- في نفسه هذه المشروعية، فقال الله ـ تعالى ـ له في شأن زينب بنت جحش وزوجها زيد بن حارثة مولى النبي -صلى الله عليه وسلم-: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ} [الأحزاب: 37] فبلّغها ولم يكتمها، قال أنس: «جاء زيد بن حارثة يشكو، فجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: اتق الله وأمسك عليك زوجك! قال أنس: لو كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كاتماً شيئاً لكتم هذه، قال: فكانت زينب تفخر على أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- تقول: زوّجكن أهاليكن، وزوّجني الله ـ تعالى ـ من فوق سبع سموات» (1) ؛ فالرسول -صلى الله عليه وسلم- أمين على وحي الله ـ تعالى ـ يبلغه كما أنزله الله عليه، لا يزيد فيه ولا ينقص منه.
< رحمته -صلى الله عليه وسلم- بالعالمين:
قال الله له: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] ، فما أرسله ـ تعالى ـ إلا ليكون إرساله رحمة للعالمين جميعاً، فمن قَبِلَ رسالته فهو ممن رحمه الله ـ تعالى ـ ومن أعرض فعلى نفسه جنى، ولقد شملت رحمته -صلى الله عليه وسلم- حتى الحيوانات؛ فعن عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه قال: «كنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في سفر فانطلق لحاجته، فرأينا حُمَّرَة معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة فجعلت تفرش، فجاء النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: من فجع هذه بولدها؟ رُدُّوا ولدها إليها! ورأى قرية نمل قد حرقناها فقال: من حرق هذه؟ قلنا: نحن، قال: إنه لا ينبغي أن ُيعذِّب بالنار إلا ربُّ النار» (2) فالنبي -صلى الله عليه وسلم- يرقّ لحال هذا الطائر الذي فقد ولديه، ويرحمه ويأمر من أخذهما بإطلاقهما، مع أن صيد البر حلال، لكن الرحمة التي ملأت جوانح الرسول الكريم لم يقدر معها على رؤية هذا الطائر المسكين المفجوع في ولده، حتى أمر بإطلاقه. وها هو ذا -صلى الله عليه وسلم- يدعو إلى رحمة كل ما فيه روح، ويحث على ذلك ببيان ما فيه من الأجر فيقول: «بينا رجل يمشي فاشتد عليه العطش، فنزل بئراً فشرب منها ثم خرج، فإذا هو بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال: لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي، فملأ خفّه ثم أمسكه بفيه، ثم رقي فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له، قالوا: يا رسول الله! وإن لنا في البهائم أجراً؟ قال: في كل كبد رطبة أجر» (3) وكان -صلى الله عليه وسلم- يرحم الصبية الصغار ويقبّلهم؛ فعن أبي هريرة ـ رضي الله تعالى عنه ـ قال: قبّل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالساً، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً، فنظر إليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم قال: مَنْ لا يَرحم لا يُرحم» (4) ، ودعا أمته إلى رحمة الخلق جميعهم ـ من في الأرض ـ من يعقل كالإنس، ومن لا يعقل كالحيوانات، فقال: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، الرحم شجنة من الرحمن، فمن وصلها وصله الله، ومن قطعها قطعه الله» (5) . وقد سجلت لنا السيدة خديجة ـ رضي الله تعالى عنها ـ شمائله التي طبعه الله ـ تعالى ـ عليها حتى من قبل أن تأتيه الرسالة، فقالت له لما جاءه الوحي: «واللهِ ما يخزيك الله أبداً: إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق» (6) فكانت هذه خِلالُه -صلى الله عليه وسلم- قبل أن يوحى إليه، فلما جاءه الوحي زادت نوراً وتلألؤاً وجلالاً، فصلى الله عليك يا من أرسلك ربك رحمة للعالمين!
< الحلم والعفو والصفح من شمائله -صلى الله عليه وسلم-: