فإنه قد تقدم لنا في الخطبة الأولى صورتان من صور الانحراف الذي طرأ على الأمة في مفهوم العبودية لله تعالى، ومن صور الانحراف في مفهوم العبودية لله تعالى أن بعض من أعمى الله بصيرتهم وأضلهم عن سواء السبيل تصوروا أو صُوّر لهم أن عبادة الله تعالى هي تلك الأقوال والأعمال التي تضبط علاقة العبد بربه من صلاة أو زكاة أو صيام أو حج أو تلاوة وذكر أما ماعدا ذلك من الأمور فليس لها بالعبادة أو العبودية لله تعالى صلة بل هي موكولة إلى الناس يفعلون فيها ما يشاؤون ويحكمون ما يريدون، ولا شك أن هذا فهم مبتور مغلوط دلّت نصوص الكتاب والسنة على بطلانه بل دل العقل على ضعفه وضلاله إذ كيف يستقيم في الأذهان أو يصح عند أولي العقول والأبصار أن يعلم النبي المختار صلى الله عليه وسلم أمته تفاصيل ودقائق آداب قضاء الحاجة ثم يعرض ويترك تعليمهم الأمور العظام والقضايا الجسام التي بها تستقيم الحياة في المدن والأمصار بل لو قال قائل: إن هذا فيه أعظم التنقيص والإزراء بالشرائع والأنبياء لما جانب رأي الألباء والعلماء. وقد خلّف هذا الفهم المغلوط انحرافاتٍ خطيرةً توشك أن تخرج بأصحابه عن سبيل أهل الإسلام ومن هذه الانحرافات الجسام أننا سمعنا من يقول ويكتب: إن الدين والعبودية لله ليس لها دخل في التجارة أو الاقتصاد أو السياسة أو الإعلام أو غير ذلك من مجالات الحياة بل آل الأمر بكثير من أصحاب هذا الفكر الضال المنحرف أن فصلوا الدين عن الحياة وجعلوا الكتاب والسنة اللذين هما سبيل النجاة ينظمان علاقة العبد بربه ولا يتجاوزون بهما هذا الحد. بل لم يقتصر الأمرُ على ذلك فرأينا أصحاب هذا الانحراف الذين ضرب النفاق قلوبهم بجرانه ينكرون على كل من يصدر عن السنة والقرآن في سياساته أو اقتصادياته أو أحكامه أو أنظمته أو سائر شؤون حياته ويقذفون بأقذع الأسماء ويصفون بأبشع الأوصاف كُل من دعا إلى تحكيم الكتاب و السنة، فتارة يسمون المتمسكين بالكتاب والسنة في دق الأمر وجليله رجعيين، وتارة ظلاميين، وتارة أصوليين، وتارة متطرفين، أو إرهابيين، فحسبنا الله ونعم الوكيل. . . أيها المؤمنون احذروا هؤلاء المضللين المنافقين فإنهم من أعظم ما يفسد الأديان ويخرب الأوطان وتمسكوا بكتاب ربكم وسنة نبيكم فهما سفينة النجاة وقد أمر الله بذلك فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ?فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ? (1) .
وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من طرق عديدة أنه قال: (( تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة رسوله ) ) (2) . ولا يخدعنكم هؤلاء المنحرفون بألاعيبهم وأساليبهم وتضليلاتهم فهم أشبه من ينطبق عليهم وصف النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه حذيفة رضي الله عنه عن أهل الشر الذين يكونون آخر الزمان: (( دعاة ضلالة إلى أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها قلت: يا رسول الله صفهم لنا فقال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا ) ) (3) . فنعوذ بالله من الحور بعد الكور ومن الضلال بعد الهدى ومن الزيغ بعد الاهتداء.
(1) الزخرف: 43. ...
(2) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد (رقم 128) . ...
(3) أخرجه البخاري في المناقب (رقم 3606) .