ففكر جيداً يا عبد الله في هذا الباب، فوالله إنه لباب عظيم من أبواب الخير، غفل عنه الكثيرون، أوقف يا عبد الله داراً صغيرةً، أو عمارةً هنا أو هناك، واجعل ريعها في أحد وجوه الخير التي سمعت تنفعك نفعاً عظيماً بإذن الله تعالى إذا خلصت النيات. واجعل على هذا الوقف شخصاً أو شخصين من أهل الخير والصلاح ممن عرفوا بالأمانة والنزاهة يرعون شؤونها ويديرون أمورها، يأتيك أجرك وأنت في قبرك، ويدعو لك كل من استفاد منها، وكلما كان الوقف متعدي النفع فهو أفضل. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علماً نشره، وولداً صالحاً تركه، ومصحفاً ورثه، أو مسجداً بناه، أو بيتاً لابن السبيل بناه، أو نهراً أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه بعد موته ) )رواه ابن ماجه. وقال صلى الله عليه وسلم: (( من احتبس فرساً في سبيل الله إيماناً بالله وتصديقاً بوعده، فإن شعره وروثه وبوله في ميزان حسناته ) )رواه ابن ماجه. هذا يا عباد الله أجر من أوقف فرساً فكيف بمن أوقف أكثر من ذلك.
أيها المسلمون، ومع العلم بأن الوقف من خصائص الإسلام إلا أننا نجد اليوم أن أهل الضلال والشرك من أصحاب الكنائس والأضرحة يعملون لدعم ونشر ضلالهم. إن المطّلع على أحوال المنصّرين الذين يجوسون خلال ديار المسلمين بغية إخراجهم من دينهم الحق وإدخالهم في دياجير ظلمة النصرانية يرى كم هم مجتهدون في إقامة الملاجئ والمدارس والمستشفيات والمستوصفات والمصانع ليَدخلوا إلى قلوب المسلمين تمهيداً لتنصيرهم من خلال إطعام جائعٍ، وكسوة عارٍ، ومداواة مريض. والمتتبع لنشاطاتهم وأحوالهم يجد أنهم قد اعتمدوا في تمويل مشاريعهم هذه على ريع الوقف الكبير الذي وقفه أبناء النصارى في العالم للكنائس، فأوقاف الفاتيكان وحدها تضم عدة بنوك وشركات صناعية واستثمارات كبرى ومناجم في عدة دول.
وفي المقابل نرى أن المشاريع الإسلامية خصوصاً الدعوية منها تعاني من اضطراب في الاستمرارية وعدم وضوح في مستقبلها المالي مما ينعكس سلباً على الدعوة الإسلامية لعدم وجود مورد مالي مستمر بسبب إحجام كثير من الموسرين من المسلمين عن وقف جزءٍ من أموالهم على مثل هذه المشاريع.
أيها المسلمون، هناك من يوقف شيئاً من ماله على أولاده وذريته من بين سائر الورثة ليؤمِّن لذريته مورداً ثابتاً يعينهم على نوائب الدهر وتقلبات الزمن فيحميهم بحد زعمه بإذن الله من الفاقة أخذاً من عموم قوله صلى الله عليه وسلم: (( إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس ) )بل إن بعض الأغنياء قد يتوجسون خيفةً من أن بعض الذرية لا يحسن التصرف في الثروة أو يخشى عليهم الخلاف والنزاع والفرقة، فيقول: من أجل مصلحتهم ومصلحة ذرياتهم أوقف بعض الأعيان والأصول ليحفظ الثروة من الضياع ويكف الأيدي من التلاعب، وبهذا يكون النفع مستمراً، والفائدة متصلة غير منقطعة.
وهذا العمل أيها الأحبة حرام ولا يجوز، لأنه داخل في عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث ) )فكما لا يجوز لأحد أن يوصي لبعض ورثته دون بعض، لا بشيء من أعيان المال ولا بشيء من منافعه وغلاته فكذلك لا يجوز له أن يوقف شيئاً من ماله أو عقاره لبعض من له حق في الميراث. فإن الله تعالى قد فرض لكل وارث حقه ونصيبه من الميراث، وبناءً عليه فلا يجوز أن توصي لأولادك بوقف شيء من مالك عليهم وتدع بقية الورثة، فإن هذا تعدياً لحدود الله واقتطاعاً من حق بعض الورثة لورثة آخرين. فإذا قال الإنسان أوصيت بثلثي أو ببيتي أو بعقاري يكون وقفاً على أولادي وله ورثة غير الأولاد فهذه وصيةٌ لوارث وتعدٍ لحدود الله فيكون حراماً. عافانا الله وإياكم.
وهناك من يوقف كل ماله على جميع الورثة، وهذا أيضاً مما نهى عنه بعض العلماء لأن فيه حجر على الورثة فلا يستطيعون التصرف في شيء بعد موت الواقف، لكن لا بأس أن توقف شيئاً من المال أو العقار على جميع الورثة.
نفعني الله وإياكم .. ... ...
الخطبة الثانية ... ...
الحمد لله الذي شرع لعباده من الطاعات ما يقربهم إلى رضوانه، ويرفع منازلهم في جنانه، والصلاة والسلام على نبي الهدى والرحمة الذي جعل حياته ومماته وماله كله في سبيله، وعلى آله وأصحابه الذين تنافسوا في الخير ونالوه، وتسابقوا إلى البر وحازوه، وعلى من اهتدى بهديهم وعمل بسنتهم إلى يوم الدين.